المغرب نائباً لرئيس مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية بأبوظبي

انتُخب المغرب، في شخص السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى المنظمات الدولية بفيينا، عز الدين فرحان، نائباً لرئيس المؤتمر الخامس عشر للأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، باسم المجموعة الإفريقية، وذلك خلال افتتاح أشغال المؤتمر، اليوم السبت 26 شتنبر 2026، بأبوظبي، بمشاركة وزراء ومسؤولين حكوميين وخبراء وأكاديميين يمثلون 119 بلداً.
ويشكل انتخاب المغرب في مكتب هذا المؤتمر الدولي البارز حضوراً للمملكة في تدبير أشغال أحد أهم المواعيد الأممية المخصصة لقضايا الوقاية من الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون، في وقت تتجه فيه النقاشات الدولية بشكل متزايد نحو التحديات التي تفرضها الجريمة المنظمة العابرة للحدود والجرائم الإلكترونية والتطور المتسارع للتكنولوجيات الحديثة.
وشهدت الجلسة الافتتاحية انتخاب باقي أعضاء مكتب المؤتمر، في وقت يستمر فيه هذا الموعد الأممي إلى غاية فاتح أكتوبر المقبل، تحت شعار: «تسريع العمل في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون: حماية الناس والكوكب وتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030 في العصر الرقمي». ويقام المؤتمر في المركز الوطني للمعارض بأبوظبي خلال الفترة الممتدة من 26 شتنبر إلى فاتح أكتوبر 2026، وفق البرنامج الرسمي للأمم المتحدة.
ويحظى المؤتمر بأهمية خاصة باعتباره من أبرز المنتديات العالمية التي تجمع الحكومات والمؤسسات القضائية والأمنية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والخبراء، بهدف تبادل التجارب والخبرات ومناقشة السياسات العمومية الكفيلة بالوقاية من الجريمة وتطوير منظومات العدالة وتعزيز سيادة القانون.
ويشارك في الدورة الحالية أكثر من 5100 شخص، من بينهم أزيد من 40 وزيراً للعدل، إلى جانب 93 متحدثاً يمثلون الدول والمجموعات الإقليمية، فضلاً عن 62 مشاركة رفيعة المستوى، منها 46 حضورياً و16 عن بعد.
حضور مغربي في صلب النقاش الدولي
ويترأس عز الدين فرحان وفداً مغربياً رفيع المستوى يضم مسؤولين وممثلين عن عدد من المؤسسات المعنية بالعدالة والأمن ومكافحة الجريمة، من بينهم سفير المغرب بأبوظبي، والكاتب العام لوزارة العدل، والأمين العام للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والكاتب العام لرئاسة النيابة العامة، ومسؤولون بالمديرية العامة للأمن الوطني، ووزارة العدل، والهيئة الوطنية للمعلومات المالية، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
ولا يأتي الحضور المغربي في المؤتمر بمعزل عن المسار التحضيري الذي انخرطت فيه المملكة منذ وقت مبكر، إذ احتضنت مدينة مراكش، خلال الفترة من 23 إلى 25 أبريل 2025، الاجتماع الإقليمي التحضيري لغرب آسيا، بمشاركة المغرب وعدد من دول المنطقة، وهو الاجتماع الذي شكل محطة لإثراء النقاش حول أولويات الوقاية من الجريمة والعدالة الجنائية.
وكان السفير عز الدين فرحان قد أبرز، خلال فعالية رفيعة المستوى نظمت بفيينا في ماي 2025 تحت عنوان «الطريق إلى أبوظبي»، أهمية الاجتماع التحضيري بمراكش، مشيراً إلى عدد من الأولويات، من بينها مكافحة الجريمة السيبرانية وسوء استخدام الذكاء الاصطناعي، وحماية الفئات الهشة، وإصلاح أنظمة العدالة الجنائية، والتصدي للتقاطع بين الجريمة المنظمة والإرهاب، وتعزيز التعاون الدولي، وربط مكافحة الجرائم البيئية بأهداف التنمية المستدامة.
الجرائم الرقمية والذكاء الاصطناعي في واجهة النقاش
ويأتي مؤتمر أبوظبي في سياق يشهد تحولات عميقة في طبيعة الجريمة وأساليب ارتكابها، خصوصاً مع الانتشار الواسع للتكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وتتضمن أجندة المؤتمر قضايا مرتبطة بالجريمة المنظمة والعابرة للحدود، والجرائم السيبرانية، والاتجار بالبشر والمخدرات، وغسل الأموال، والجرائم التي تمس البيئة، فضلاً عن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في منظومات العدالة الجنائية.
وتكتسب هذه القضايا أهمية متزايدة، بالنظر إلى قدرة الشبكات الإجرامية على توظيف التكنولوجيا لتوسيع أنشطتها، سواء عبر الاحتيال الإلكتروني أو استغلال المنصات الرقمية أو تسهيل الاتجار غير المشروع وتحويل الأموال، وهو ما يفرض، وفق النقاش الأممي الجاري، تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات والخبرات وتطوير القدرات الوطنية.
وفي هذا السياق، ينص موضوع المؤتمر على الربط بين منع الجريمة والعدالة الجنائية من جهة، والتحول الرقمي والتنمية المستدامة من جهة أخرى، مع التشديد على ضرورة أن ترافق رقمنة أنظمة العدالة ضمانات تتعلق بالشفافية وحماية البيانات والإشراف البشري واحترام الإجراءات القانونية الواجبة.
من إعلان كيوتو إلى إعلان أبوظبي
ويشكل مؤتمر أبوظبي أيضاً محطة لمواصلة تنفيذ الالتزامات التي انبثقت عن مؤتمر الأمم المتحدة الرابع عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، المنعقد في كيوتو سنة 2021، ولا سيما ما يتعلق بتعزيز الوقاية من الجريمة وتطوير العدالة الجنائية وسيادة القانون والتعاون الدولي.
وكانت الدول الأعضاء قد عملت، في إطار التحضير للمؤتمر الخامس عشر، على إعداد إعلان أبوظبي باعتباره وثيقة سياسية يفترض أن تحدد عدداً من الالتزامات والتوجهات المستقبلية في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية. وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن التحضيرات شملت مشاورات غير رسمية واجتماعات إقليمية هدفت إلى بلورة أولويات وتوصيات عملية لعرضها على المؤتمر.
كما أن مؤتمرات الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية تنعقد دورياً كل خمس سنوات منذ سنة 1955، وتوفر منصة للدول والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والخبراء لتبادل الآراء والتجارب وتحديد الاتجاهات الجديدة في مجال الوقاية من الجريمة والعدالة الجنائية، بما يسهم في تطوير السياسات والمعايير الدولية ذات الصلة.
ومن المرتقب أن تفضي أشغال الدورة الخامسة عشرة إلى مخرجات عملية وشراكات جديدة تدعم جهود الدول في مواجهة التهديدات الإجرامية التقليدية والناشئة، وتعزز فعالية أنظمة العدالة وسيادة القانون، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي يفرضها العصر الرقمي.
ويكتسي الحضور المغربي في هذا السياق أهمية إضافية، بالنظر إلى تولي السفير عز الدين فرحان منصب نائب رئيس المؤتمر باسم المجموعة الإفريقية، بما يضع الدبلوماسية المغربية أمام مسؤولية تمثيل مواقف وتطلعات المجموعة الإفريقية في نقاش دولي يتناول ملفات ترتبط بشكل مباشر بالأمن والعدالة والتنمية والتعاون الدولي.



