مجتمع

ظاهرة استغلال الأطفال في التسول: المساس بالطفولة بين صرامة القانون والواجب الاجتماعي

تستدعي ظاهرة استغلال الأطفال في التسول والرضع وقفة معالجة شمولية ومسؤولة من مختلف الفاعلين في المجتمع، نظرًا لما تمثله هذه الممارسة السلبية من انتهاك صارخ لحقوق الطفولة الأساسية، ومساس مباشر بالحق في النمو السليم والتعليم والكرامة الإنسانية التي تكفلها المواثيق الوطنية والدولية.

​التكييف القانوني: المقاربة الجنائية لردع شبكات الاستغلال

​يتعامل التشريع الوطني بصرامة حازمة مع مسألة استغلال الأطفال في التسول، حيث يعتد القانون هذه الأفعال جرائم مكتملة الأركان تعاقب عليها المقتضيات الجنائية الصريحة. وتتضاعف العقوبات الزجرية عندما يتعلق الأمر بتعريض الرضع والأطفال القاصرين للخطر الداهِم، أو سلبهم حريتهم في ممارسة حياتهم الطبيعية والالتحاق بمقاعد الدراسة.

​وتتطلب المحاربة الفعالة لهذه الظاهرة تكثيف العمليات الميدانية للشرطة القضائية والسلطات المحلية، تحت الإشراف المباشر للنيابة العامة المختصة، بهدف تفكيك الشبكات والوسطاء الذين يتخذون من الأطفال أداة لاستدرار عطف المواطنين والتحصيل غير المشروع للأموال في الشوارع والأماكن العامة.

​الأبعاد الاجتماعية: إعادة التأهيل والتكفل بالفئات الهشة

​إن الاقتصار على المقاربة الزجرية وحدها لا يكفي للقضاء على ظاهرة استغلال الأطفال في التسول بشكل نهائي؛ بل يستوجب الأمر تفعيل استراتيجية اجتماعية موازية ترتكز على تعزيز أجهزة الرعاية والتكفل بالأطفال في وضعية صعبة. ويتأتى ذلك من خلال توفير بدائل تنموية ملائمة للأسر المعوزة، ودعم برامج الحد من الهدر المدرسي في الأحياء الهامشية والمناطق القروية.

​ويتطلب هذا الرهان حكامة تنموية تتجاوز الحلول الظرفية، عبر إشراك مؤسسات التعاون الوطني، والمجالس المنتخبة، وفعاليات المجتمع المدني، من أجل صياغة برامج مدمجة تضمن للمطلقة والأرملة والأسر العفيفة عيشاً كريماً يغنيهم عن دفع أبنائهم إلى طرقات الشارع.

​مسؤوليّة مجتمعيّة: التوعية وحماية جيول المستقبل

​تشكل حماية الرضع والقاصرين من الشارع مسؤولية مشتركة تتعدى المؤسسات الحكومية لتشمل المواطن نفسه. إن الامتناع عن تقديم المساعدات المالية المباشرة للمتسولين الذين يستغلون الأطفال يمثل خطوة أساسية لتجفيف الموارد المالية لهذه الأنشطة غير المشروعة، وتوجيه الدعم نحو المؤسسات والجمعيات الموثوقة.

​إن حماية الأطفال والنهوض بأوضاعهم يمثلان الاستثمار الحقيقي في مستقبل الوطن، وهو ما يتطلب مواصلة العمل التشاركي لضمان بيئة آمنة تسهم في تنشئة جيل جديد يتمتع بكافة حقوقه في التعليم، والصحة، والعيش الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى