تازة تحتفي بالذكرى الـ71 لانطلاق عمليات جيش التحرير بشمال المملكة واستحضار ملاحم المقاومة الوطنية

بدر العمراوي
أكد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، أن تخليد الذكرى الحادية والسبعين لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بشمال المملكة يشكل مناسبة وطنية لاستحضار صفحات مشرقة من تاريخ الكفاح الوطني، وتضحيات أبناء الوطن في سبيل الحرية والاستقلال واسترجاع السيادة والوحدة الترابية.
وقال الكثيري، في كلمة ألقاها بمدينة تازة بمناسبة تخليد هذه الذكرى، إن المناسبة تستعيد فيها الذاكرة الوطنية صور التلاحم الوطني والنضال المتواصل، وتستحضر ما جسده أبناء المغرب من شجاعة وبسالة وتضحيات جسام في مواجهة الاحتلال الأجنبي، مؤكداً أن هذه الملاحم ستظل شاهدة على عظمة ما بذله المغاربة من أجل استقلال وطنهم ووحدته.
تازة.. قلعة من قلاع المقاومة
وأبرز المندوب السامي أن إقليم تازة كان، على امتداد فترات الكفاح الوطني، من أبرز مواطن الصمود والمقاومة، حيث ظل أبناؤه في طليعة المجاهدين والمقاومين المدافعين عن الحرية والاستقلال والوحدة الترابية وحرمة الوطن ومقدساته.
وأشار إلى أن سكان مدينة تازة ونواحيها خاضوا، خلال الفترة الممتدة ما بين سنتي 1913 و1926، أكثر من ستين معركة واشتباكاً ضد القوات العسكرية الاستعمارية، من بينها معارك عين بوردو، وبني بوقيطون، وبولجراف، ووادي لحضر، ومكناسة التحتية، وجعونة جامع، وباب المروج، وبني وجان، ومسيلة، والجبارنة، والفزازرة، وبوقلال، وجبل الحلفة، وسيدي بلقاسم، وباب أزهار والخمسين.
وأضاف أن هذه المواجهات جسدت بسالة أبناء المنطقة وشدة مراسهم في مواجهة القوات الاستعمارية، مشيراً إلى أن الروايات التاريخية المتداولة تقدر خسائر القوات الاستعمارية في تلك المواجهات بأكثر من 6000 قتيل و8000 جريح.
عمليات جيش التحرير.. منعطف حاسم
وتوقف الكثيري عند الانتصارات التي حققتها فرق جيش التحرير خلال شهري أكتوبر ونونبر 1955، في سلسلة من المعارك والهجومات البطولية، من أبرزها تايدة، وقنطرة أجدير، وتيزي ندرن، وكدية الشوك، وتيزي وأكنول وتيزي ومجونت وغيرها من المواقع القتالية.
وأوضح أن هذه العمليات لم تكن مجرد مواجهات عسكرية متفرقة، بل شكلت منعطفاً بارزاً في مسار الكفاح الوطني، وأكدت تصاعد قوة المقاومة وقدرتها على المبادرة والمواجهة، كما أربكت الحسابات العسكرية الفرنسية وفرضت عليها واقعاً ميدانياً جديداً.
وأضاف أن اتساع رقعة عمليات جيش التحرير وشدة الضربات التي وجهها إلى المراكز والثكنات العسكرية الفرنسية دفعت السلطات الاستعمارية إلى تعبئة مزيد من القوات وتحريك وحدات «الكوم» وتعزيز انتشارها في عدد من المناطق، في محاولة لتطويق المقاومة والحد من امتدادها.
وأشار إلى أن هذا التصعيد العسكري أدى إلى تعقيد الوضع السياسي والعسكري بالنسبة للسلطات الفرنسية، التي أصبحت أمام واقع لم تعد معه عمليات جيش التحرير قابلة للاحتواء بإجراءات محدودة، وهو ما دفع وزير الدفاع الفرنسي الجديد «بيلوت» إلى زيارة المغرب للوقوف على التطورات الميدانية والبحث عن سبل احتواء الأزمة.
دعم للمفاوضات وعودة الملك محمد الخامس
وأكد الكثيري أن الانتصارات المتلاحقة لفرق جيش التحرير شكلت سنداً قوياً للموقف الوطني، وعززت موقع الملك المجاهد محمد الخامس، طيب الله ثراه، في معركة التفاوض من أجل إنهاء عهد الحماية واستعادة السيادة الوطنية.
وبعد 45 يوماً فقط من انطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير، يضيف الكثيري، عاد جلالة المغفور له الملك محمد الخامس إلى أرض الوطن يوم 16 نونبر 1955، مظفراً منصوراً، حاملاً إلى الشعب المغربي بشرى الحرية والاستقلال، ومعلناً انبلاج فجر مرحلة جديدة عنوانها استعادة السيادة الوطنية وبناء الدولة المستقلة.
توثيق الذاكرة الوطنية وصون تاريخ المقاومة
وشدد المندوب السامي على أن تخليد هذه الذكرى لا ينفصل عن العمل المؤسساتي المتواصل للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، والذي يهدف إلى تثمين مآثر المقاومة والتحرير وتوثيقها وصون الذاكرة الوطنية وإتاحتها للأجيال الصاعدة.
وأشار إلى أن حصيلة ورش الإصدارات والمنشورات قاربت ألف إصدار إلى حدود نهاية سنة 2025، فيما حظيت منطقة تازة بحضور وازن ضمن هذه الحصيلة، من خلال 15 إصداراً تنوعت بين الأبحاث والدراسات والأطروحات، فضلاً عن الدفترين العاشر والحادي عشر من سلسلة «عمليات جيش التحرير»، المخصصين لتوثيق الوثائق التاريخية للمقاومة والتحرير بشمال المغرب، إلى جانب قصص تاريخية موجهة للأطفال.
كما استعرض الدينامية البحثية والأكاديمية التي عرفتها المنطقة، من خلال مؤلفات جماعية تناولت تاريخ تازة وذاكرتها وتراثها، مبرزاً أن سنة 2026 ستشهد صدور مؤلف جماعي جديد حول ثورة فاتح وثاني أكتوبر 1955 بالإقليم، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين، بهدف توثيق الذاكرة المحلية وإبراز إسهام أبناء المنطقة في مسيرة المقاومة والتحرير.
ثلاث فضاءات للذاكرة التاريخية بتازة
وفي مجال حفظ الذاكرة، أوضح الكثيري أن الشبكة الوطنية لفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير تضم حالياً 109 وحدات-فضاءات عبر مختلف عمالات وأقاليم المملكة، من بينها ثلاث فضاءات بإقليم تازة، توجد بتازة العليا، وتازة المشور، وأكنول، على أن تتعزز هذه الشبكة قريباً بفضاءين جديدين بكل من أجدير وواد أمليل.
وأكد أن جهود تخليد الذكرى تتجاوز استحضار حدث من الماضي، لتجعل من التوثيق والنشر والبحث العلمي جسراً يصل الماضي بالحاضر، ويحفظ الذاكرة من النسيان، ويضعها في متناول الأجيال الصاعدة.
استحضار قضية الوحدة الترابية
وفي سياق كلمته، دعا الكثيري إلى مواصلة استحضار قضية الوحدة الترابية للمملكة، باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة، مشيداً بما وصفه بالمواقف الدولية الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي وبالجهود الدبلوماسية للمملكة في هذا الملف.
كما استحضر مقتطفات من الخطاب الملكي السامي ليوم 31 أكتوبر 2025، عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، مبرزاً أن المرحلة الجديدة تقتضي مواصلة التعبئة الوطنية حول قضية الوحدة الترابية.
وتطرق، في هذا الإطار، إلى عدد من المواقف الدولية التي قال إنها جددت دعمها للوحدة الترابية للمملكة ولمبادرة الحكم الذاتي، مشيراً إلى مواقف دول من إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا، وما اعتبره تعاظماً للدعم الدولي للموقف المغربي.
تكريم قدماء المقاومين
وبمناسبة الذكرى، تم تكريم عدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير من أبناء إقليم تازة، عرفاناً بما قدموه من تضحيات في سبيل الوطن، ويتعلق الأمر بالراحلين:
- موح زهير
- علي شطاط
- حسن بهوه
- سعيد خلوفي
- أحمد اليازيد
- أحمد اشتاتو
- محمد ادركان
- علي المشاش
- بلقاسم مخفي
- علال عزوزي
وأكد الكثيري أن هذا التكريم يجسد سنة الوفاء والعرفان برجالات المغرب الذين أخلصوا للوطن وضحوا في سبيل حريته واستقلاله ووحدته، مشيداً بما برهنوا عنه من غيرة وطنية وروح المسؤولية والتضحية ونكران الذات.
كما أوضح أن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، إلى جانب التكريم المعنوي، استجابت لعدد من الطلبات والملتمسات المتعلقة بالمساعدات الاجتماعية، حيث تم تقديم 49 إعانة مالية لفائدة قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وأرامل المتوفين منهم، بغلاف مالي إجمالي قدره 98 ألف درهم.
وفي ختام كلمته، وجه المندوب السامي الشكر إلى عامل إقليم تازة والسلطات الإقليمية والمحلية والمنتخبين وسائر الفاعلين المحليين ونشطاء المجتمع المدني، على دعمهم المتواصل لأسرة المقاومة وجيش التحرير.
كما حيا مختلف القوات والأجهزة المرابطة على الحدود وفي مختلف ربوع المملكة، من القوات المسلحة الملكية والقوات المساعدة والدرك الملكي والأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني وإدارة الجمارك والوقاية المدنية والإدارة الترابية، تقديراً للجهود التي تبذلها في سبيل حفظ الأمن والاستقرار وحماية المواطنين وممتلكاتهم.
واختتم الكثيري كلمته بالترحم على شهداء الحرية والاستقلال والوحدة الترابية والسيادة الوطنية، وفي مقدمتهم الملك الراحل محمد الخامس والملك الراحل الحسن الثاني، سائلاً الله أن يحفظ الملك محمد السادس ويديم عليه نعمة الصحة والعافية، وأن يوفق المملكة لما فيه خير الوطن والمواطنين.






