كشف التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025 عن تصدر قطاع الداخلية قائمة الإدارات الأكثر موضوعاً للتظلمات والشكايات الواردة على المؤسسة، في مؤشر يعكس حجم التفاعل اليومي بين المواطنين والمصالح التابعة لهذا القطاع واتساع مجالات تدخله في تدبير الشأن العام والخدمات الإدارية. وأفادت معطيات التقرير الرسمي بأن قطاع الداخلية استأثر بـ1918 ملفاً من مجموع التظلمات المسجلة خلال السنة، متبوعاً بقطاع العدالة الذي سجل 1421 ملفاً، ثم قطاع الاقتصاد والمالية بـ1288 ملفاً. وتؤكد هذه الأرقام استمرار تمركز نسبة مهمة من شكايات المواطنين داخل القطاعات التي تتولى تدبير ملفات إدارية وقانونية ومالية ذات تأثير مباشر على الحياة اليومية للمرتفقين.
ويعزى تصدر قطاع الداخلية لهذه القائمة بالدرجة الأولى إلى تنوع وفروق الاختصاصات الواسعة التي يشرف عليها، والتي تشمل تدبير الشؤون الترابية والإدارية والجماعات المحلية، بالإضافة إلى الخدمات الحيوية المرتبطة بالحالة المدنية، والتنظيم الترابي، ومنح الرخص الإدارية، وغيرها من المجالات التي تشكل في مجملها محوراً رئيسياً لعلاقة المواطن اليومية بالإدارة. أما قطاع العدالة، الذي حلّ في المرتبة الثانية، فيرتبط جزء مهم من التظلمات الموجهة بشأنه بإجراءات التقاضي، وتنفيذ الأحكام القضائية، والمساطر الإدارية والقانونية ذات الصلة، في حين يعكس حجم الملفات المسجلة ضد قطاع الاقتصاد والمالية الأهمية المتزايدة للقضايا ذات الطابع المالي والجبائي والإداري في مطالب المواطنين وتطلعاتهم.
وفي سياق متصل، أبرز تقرير مؤسسة الوسيط أن عدداً مهماً من التظلمات بات يتركز بشكل واضح على مستوى المصالح المركزية لبعض القطاعات الحكومية؛ حيث سجل قطاع الاقتصاد والمالية 829 تظلماً موجهاً إلى مصالحه المركزية، يليه قطاع الداخلية بـ389 تظلماً، ثم صندوق الإيداع والتدبير بـ309 تظلمات، يليه قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بـ243 تظلماً، إضافة إلى قطاع الصحة والحماية الاجتماعية الذي سجل 178 تظلماً. وترى المؤسسة أن هذا التركز يعكس بشكل مباشر الأثر الكبير للقرارات المركزية في معالجة عدد من الملفات الفردية، خصوصاً تلك المرتبطة بالوضعيات المالية والإدارية المعقدة التي تتطلب تدخلاً حاسماً ومباشراً من الإدارات المركزية أو المؤسسات الوطنية المختصة.
ومن زاوية تحليلية، يؤكد التقرير أن قراءة توزيع التظلمات والشكايات حسب القطاعات لا تعني بالضرورة ضعفاً في أداء هذه الإدارات أو تراجع نجاعتها، بقدر ما تعكس حجم الخدمات الضخم التي تقدمها للعموم وعدد المرتفقين الهائل المتعاملين معها، فضلاً عن الحساسية البالغة للملفات التي تشرف على تدبيرها؛ غير أن هذه المؤشرات تظل، في الوقت ذاته، أداة تقييمية وموجّهة مهمة لرصد مكامن الاختلال، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتعزيز قنوات التواصل مع المواطنين. وخلصت مؤسسة وسيط المملكة في تقريرها السنوي إلى أن تعزيز الثقة في الإدارة يمر حتماً عبر تطوير آليات الاستجابة السريعة للشكايات، وتبسيط المساطر، والرفع من جودة الخدمات المقدمة، بما يساهم بفعالية في الحد من أسباب التظلم وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والإنصاف الإداري.