صفاء أحمد آغا / الرباط / المملكة المغربية
بعد مساهمتين سابقتين تناولتا الاستحقاقين الانتخابيين لسنتي 2016 و2021، أعود اليوم إلى الانتخابات المغربية من زاوية فرضها التحول الرقمي: لم يعد المرشح يخوض حملته أمام ناخب يملك ذاكرة محدودة، بل أمام ذاكرة رقمية قادرة على استحضار ماضيه ومقارنة أقواله بأفعاله.
لقد غيّرت الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي قواعد التنافس الانتخابي. فالتصريحات القديمة، والوعود، والمواقف، والقرارات، والحصائل، كلها أصبحت قابلة للبحث والاسترجاع والتداول. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، بات الوصول إلى هذه المعطيات وتحليلها أسرع وأسهل من أي وقت مضى.
هذه التحولات تمنح الناخب وسيلة جديدة للمساءلة. فالمرشح الذي سبق أن تولى مسؤولية عامة لم يعد يستطيع بسهولة أن يبدأ حملته من الصفر، وكأن الماضي لم يكن. حصيلته موجودة، وتصريحاته موثقة، ومواقفه قابلة للمقارنة. ولذلك، فإن الانتخابات المقبلة ستكون، إلى حد كبير، اختبارًا لقدرة المواطنين على تحويل وفرة المعلومات إلى اختيار واعٍ.
لكن المشكلة لا تبدأ عند الناخب فقط، بل قبله عند الأحزاب التي تختار المرشحين.
فالمقعد البرلماني ليس جائزة حزبية ولا وسيلة لاستكمال لائحة انتخابية، ولا ينبغي أن يكون مكافأة لشخص يتمتع بشعبية محلية أو بقدرة على استقطاب الأصوات، من دون أن تتوفر فيه شروط ممارسة المهمة النيابية.
النائب لا يُنتخب لحضور الجلسات فقط. إنه يشارك في صناعة القوانين، ويناقش مشاريع النصوص، ويقترح التعديلات، ويدرس الميزانية، ويمارس الرقابة على الحكومة، ويشتغل داخل اللجان، وينقل انتظارات المواطنين إلى المؤسسة التشريعية. وهذه وظائف تتطلب حدًا أدنى من المعرفة والتكوين والقدرة على التحليل والاستعداد للعمل المؤسساتي.
من هنا، فإن معيار القدرة على الفوز لا ينبغي أن يطغى على معيار القدرة على ممارسة المسؤولية.
قد يكون شخص ما قادرًا على جمع الأصوات، لكنه غير مؤهل لممارسة التشريع والرقابة. وقد يكون آخر معروفًا في محيطه المحلي، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا امتلاكه الكفاءة اللازمة لتمثيل الأمة. والخطأ في هذه الحالة لا يقتصر على الحزب الذي اختاره، بل يمتد إلى المؤسسة التي يدخلها وإلى جودة القرارات التي ستصدر عنها.
لهذا السبب، فإن إصلاح النظام الانتخابي، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يعوض ضعف عملية اختيار المرشحين. فتغيير طريقة احتساب الأصوات قد يغير الخريطة السياسية، لكنه لن يصنع وحده برلمانًا أكثر كفاءة. الآلية الانتخابية تحدد كيفية توزيع المقاعد، لكنها لا تضمن وحدها نوعية من يشغلونها.
وهنا تحديدًا تبرز مسؤولية الأحزاب. فاختيار المرشحين ينبغي أن يقوم على معايير معلنة تتصل بالكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على العمل التشريعي، لا على الحسابات الانتخابية الضيقة وحدها.
وفي المقابل، تقع على الناخب مسؤولية لا تقل أهمية. فبعد إغلاق باب الترشيحات، يصبح من حقه، بل من واجبه، أن يسأل: من هو هذا المرشح؟ ماذا أنجز؟ ما مساره المهني والسياسي؟ ما مواقفه؟ وما الذي يؤهله لممارسة المهمة التي يطلب صوته من أجلها؟
لكن المساءلة الرقمية تحتاج بدورها إلى قدر من المسؤولية. فالإنترنت ليست مصدرًا تلقائيًا للحقيقة، وما يُتداول على المنصات الاجتماعية قد يكون مبتورًا أو مضللًا أو خارج سياقه. لذلك، لا ينبغي استبدال اللامبالاة السابقة باندفاع رقمي وراء الإشاعة والتشهير، بل المطلوب هو التحقق من المعلومات والتمييز بين النقد المشروع والاتهام غير المؤسس.
أما الحديث عن العلاقة بين التمويل العمومي للأحزاب وتزايد أعداد الترشيحات، فيستحق بحثًا مستقلًا قائمًا على الأرقام والمعطيات المالية الرسمية، لا على الانطباعات. فحين تتوفر المعطيات، يصبح من الممكن الانتقال من التساؤل إلى التحقق، ومن الانطباع إلى المساءلة.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بمن سيفوز في الانتخابات، بل بمن سيدخل المؤسسة التشريعية وبأي مؤهلات.
لقد تغير الزمن. أصبح للناخب هاتف وذاكرة رقمية وأدوات تمكنه من مساءلة المرشح كما لم يكن قادرًا على ذلك من قبل. لكن امتلاك المعلومة لا يكفي؛ المهم هو استخدامها في الاختيار.
وفي المقابل، لا يمكن للأحزاب أن تطلب من المواطنين الثقة في مرشحين لا تقدم بشأنهم للرأي العام ما يكفي من المعطيات التي تبرر هذه الثقة.
فالبرلمان القوي لا يبدأ يوم التصويت، بل يبدأ يوم اختيار المرشحين. والانتخابات الجيدة لا تقاس فقط بمن يفوز، وإنما أيضًا بمن يستحق أن يفوز.
وفي النهاية، تظل المسؤولية مشتركة: الأحزاب مسؤولة عن جودة الأسماء التي تقدمها، والناخبون مسؤولون عن الأصوات التي يمنحونها. وبين الطرفين تتحدد، إلى حد بعيد، جودة المؤسسة البرلمانية المقبلة.