سياسة

من استمالة المنتخبين إلى التسريب الصوتي.. هل دخل الصراع بين الأحرار والبام مرحلة كسر العظم؟

دخل الصراع السياسي بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة مرحلة جديدة من التصعيد، في وقت لم يعد يفصل المغرب عن الانتخابات التشريعية المقبلة سوى أسابيع قليلة، بعدما خرج الخلاف بين قطبي الأغلبية الحكومية من دائرة التنافس الانتخابي العادي إلى سجال علني حول استقطاب المنتخبين والمرشحين، وأعقب ذلك تسريب تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار.
وكان المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار قد عبّر، خلال اجتماعه المنعقد يوم الثلاثاء 25 غشت الجاري، عن «قلقه البالغ» إزاء ما قال إنها عمليات استمالة وضغوط تعرض لها عدد من برلمانييه ومنتخبيه وقياداته الترابية خلال الأسابيع الأخيرة، متهماً حزب الأصالة والمعاصرة بالوقوف وراء هذه الممارسات، ومعتبراً أنها تتجاوز حدود التنافس السياسي الطبيعي وتمس بأخلاقيات العمل السياسي وقواعد التنافس الديمقراطي.
ولم يأت هذا التصعيد من فراغ، إذ تزامن مع انتقال عدد من الأسماء والمنتخبين من صفوف التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما اعتبره حزب «الحمامة» استهدافاً مباشراً لبنيته الانتخابية، خصوصاً أن بعض الأسماء التي جرى الحديث عن استقطابها سبق أن أعلن الحزب عن ترشيحها للاستحقاقات المقبلة، فيما لا يزال آخرون يمارسون مهام انتدابية باسم الحزب.
غير أن التطور الأكثر إثارة خلال الساعات الأخيرة تمثل في انتشار تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، تضمن، بحسب ما أوردته وسائل إعلام مغربية، انتقادات مباشرة لطريقة استقطاب عدد من المنتخبين والمرشحين من طرف حزب الأصالة والمعاصرة، مع ورود اسم فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب «البام»، في سياق حديث حاد عن تدبير الاستقطاب السياسي والانتخابي.
وبحسب مضامين التسجيل المتداولة إعلامياً، تحدث الطالبي العلمي عن أساليب وصفها بـ«الترهيب والترغيب» في التعامل مع بعض المرشحين الراغبين في الانتقال إلى الأصالة والمعاصرة، كما تطرق إلى حسابات مرتبطة بالمرحلة السياسية المقبلة وبموقع عدد من الأسماء داخل الحكومة المرتقبة بعد الانتخابات. غير أن هذه المعطيات تظل مرتبطة بتسجيل متداول ومنسوب إلى الطالبي العلمي، فيما ينبغي التعامل مع مضمونه في إطار ما نشرته وسائل الإعلام إلى حين صدور توضيح رسمي أكثر تفصيلاً بشأن جميع مضامينه.
وأثار التسريب، في المقابل، نقاشاً واسعاً حول طبيعة الصراع الذي بدأ يتبلور بين الحزبين، خاصة أن الرجل الذي نُسب إليه التسجيل ليس قيادياً عادياً، بل يشغل منصب رئيس مجلس النواب ويُعد من أبرز الوجوه السياسية داخل التجمع الوطني للأحرار.
وفي أول رد فعل على التسريب، عبّر رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار محمد شوكي عن أسفه لتسريب جزء من نقاشات اجتماع المكتب السياسي، في إشارة إلى أن التسجيل يتعلق، وفق المعطيات المنشورة، بنقاش داخلي داخل القيادة الحزبية.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى أن الحزبين ينتميان إلى الأغلبية الحكومية الحالية، إلى جانب حزب الاستقلال، ما يجعل انتقال الخلاف بينهما إلى العلن مؤشراً على ارتفاع منسوب التنافس الداخلي قبيل الاستحقاقات التشريعية، وعلى أن المعركة الانتخابية المقبلة قد لا تقتصر على مواجهة المعارضة، بل قد تكون أيضاً صراعاً قوياً بين مكونات الأغلبية نفسها حول قيادة المرحلة السياسية المقبلة.
فالتجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية، يسعى إلى الدفاع عن موقعه السياسي وعن حصيلته الحكومية، بينما يطمح الأصالة والمعاصرة إلى تعزيز حضوره الانتخابي ورفع رصيده داخل مجلس النواب. ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو المنافسة بين الطرفين أكثر حدة، خصوصاً في عدد من الدوائر التي تتقاطع فيها مصالح المرشحين والأعيان والمنتخبين.
ويزيد من حدة هذا الصراع ما يسميه «الأحرار» استقطاب منتخبيه ومرشحيه، إذ يرى الحزب أن الأمر لم يعد مجرد انتقالات سياسية فردية، وإنما أصبح، بحسب تقديره، ظاهرة منظمة تستهدف أسماء انتخابية قادرة على التأثير في نتائج الدوائر. وقد أورد الحزب أسماء عدد من المنتخبين الذين قال إنهم تعرضوا للاستمالة، بينهم عبد الحي حرطون ومحمد الجماني وزينب السيمو وعثمان بادل ومنال بادل وبشرى الوردي وعبد الحفيظ المكوتي وعبد القادر الحضوري، فضلاً عن حديثه عن وصول محاولات الاستمالة إلى عضو في مكتبه السياسي.
في المقابل، فإن الانتقال السياسي بين الأحزاب يظل، من حيث المبدأ، جزءاً من الممارسة السياسية، لكن الإشكال الذي يطرحه الجدل الحالي يرتبط بتوقيته وبطبيعة الأسماء المعنية وبالظروف التي تتم فيها هذه الانتقالات، خاصة عندما تقع قبيل الانتخابات وتستهدف مرشحين معلنين أو منتخبين يمتلكون شبكات انتخابية محلية.
ومن هنا، فإن المواجهة الحالية بين «الحمامة» و«الجرار» تتجاوز مجرد خلاف حول انتقال بعض المنتخبين، لتكشف عن صراع أوسع حول من يمتلك القدرة على بناء الخريطة السياسية المقبلة، ومن سيكون في موقع أقوى داخل الأغلبية القادمة، ومن سيحصل على الحصة الأكبر من المقاعد والحقائب الحكومية في حال أعادت نتائج الانتخابات إنتاج التحالف الحالي.
كما أن ورود اسم فوزي لقجع في التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي أضفى بعداً إضافياً على الجدل، بالنظر إلى الحضور المتزايد للقجع داخل المشهد السياسي، إلى جانب موقعه كعضو في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ووزير منتدب مكلف بالميزانية، فضلاً عن حضوره القوي في المجال الرياضي.
وبذلك، يبدو أن الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر بدأت مبكراً، ليس فقط من خلال الحملات الانتخابية والتحركات الميدانية، وإنما أيضاً عبر معركة استقطاب المرشحين والمنتخبين، وتبادل الاتهامات بشأن الأساليب المعتمدة في بناء القوة الانتخابية.
وبينما يؤكد التجمع الوطني للأحرار أن الانتخابات ينبغي أن تكون تنافساً بين البرامج والحصيلة والمشاريع، يرى أن استقطاب مرشحي الأحزاب المنافسة يفرغ المنافسة السياسية من مضمونها، في وقت لم يصدر فيه، إلى حدود المعطيات المتاحة، رد تفصيلي مماثل من قيادة الأصالة والمعاصرة على جميع الاتهامات التي وجهها إليها «الأحرار».
وبين البلاغ الحزبي والتسجيل الصوتي والتراشق السياسي، تبدو العلاقة بين الحزبين أمام اختبار حقيقي، وقد يكون ما يجري حالياً مجرد بداية لمواجهة سياسية أكثر حدة خلال الأسابيع المتبقية قبل الاقتراع.
فالرهان لم يعد فقط على عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، وإنما على شكل الخريطة السياسية التي ستفرزها صناديق الاقتراع، وعلى موقع كل من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة داخل الأغلبية المقبلة. وفي النهاية، ستبقى الكلمة الفصل للناخب المغربي، الذي سيحدد عبر صناديق الاقتراع ما إذا كان الصراع الحالي سيترجم إلى مكاسب انتخابية فعلية، أم سيظل مجرد فصل ساخن من فصول «الميركاتو السياسي» الذي يسبق كل استحقاق انتخابي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى