سبتة.. دفن 42 جثماناً من ضحايا مأساة الهجرة وسط أزمة إيواء القاصرين وكلفة تناهز 11 مليون يورو شهرياً

تتواصل تداعيات موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز الماضي، بعدما تحولت المنطقة إلى مسرح لأزمة إنسانية وأمنية غير مسبوقة، خلّفت عشرات الضحايا، بالتوازي مع ضغط متزايد على منظومة إيواء القاصرين غير المصحوبين بذويهم.
وفي آخر تطورات المأساة، ارتفع عدد الجثامين التي جرى دفنها بمقبرة سيدي إمبارك إلى 42 جثماناً، بعدما تم دفن 12 جثماناً إضافياً، وفق معطيات إعلامية إسبانية ومحلية منشورة اليوم الاثنين. وتعود الجثامين، بحسب المعطيات المتداولة، إلى شبان من أصول مغربية، فيما لم تتمكن السلطات من تحديد هوية عدد كبير منهم بشكل نهائي.
وتشير معطيات أخرى إلى أن المأساة التي وقعت خلال موجة العبور الجماعي خلفت 82 وفاة، في حصيلة وصفت بأنها استثنائية بالنسبة للمدينة، فيما واجهت المصالح الطبية والقضائية صعوبات كبيرة في التعامل مع العدد المرتفع من الجثامين، خصوصاً في ظل محدودية قدرات حفظ الجثامين والتعقيدات المرتبطة بعملية تحديد الهوية.
جثامين مجهولة الهوية وملفات تنتظر الحسم
وبحسب المعطيات المنشورة، جرى التعرف على عدد محدود من الضحايا بواسطة البصمات والحمض النووي، بينما لا تزال جثامين أخرى تنتظر تحديد هوية أصحابها. وتحرص السلطات على ترقيم القبور وتوثيق بيانات كل جثمان، بما يسمح بإمكانية التعرف عليه وتسليمه إلى ذويه في حال ظهور معطيات جديدة.
وتطرح هذه الوضعية أيضاً إشكالية إعادة الجثامين المغربية إلى ذويها، في ظل استمرار الخلاف حول الإجراءات والوثائق المرتبطة بعملية التسليم، وهو ملف يزيد من تعقيد التداعيات الإنسانية للمأساة.
نحو 4 آلاف قاصر؟
وفي الجانب الآخر من الأزمة، تواجه سلطات سبتة ضغطاً متزايداً بسبب أعداد القاصرين غير المصحوبين الذين بقوا داخل المدينة عقب موجة العبور الجماعي.
وتشير أحدث المعطيات المنشورة إلى أن السلطات المحلية تتعامل مع أرقام متباينة بحسب مرحلة التسجيل وتحديد الهوية؛ فقد تم تسجيل 1360 قاصراً رسمياً، في حين تمكنت المصالح الأمنية الإسبانية من تحديد هوية نحو 2500 قاصر، بينما تستعد السلطات لسيناريو قد يصل فيه العدد الإجمالي إلى نحو 4 آلاف قاصر، بمن فيهم من لا يزالون خارج مراكز الإيواء.
وكانت تقارير سابقة قد كشفت عن تجاوز منظومة حماية الطفولة في سبتة طاقتها الاستيعابية بفارق كبير، مع اضطرار عدد من القاصرين إلى المبيت في أماكن مؤقتة أو في الشوارع، الأمر الذي دفع منظمات إغاثية وحقوقية إلى التحذير من مخاطر الاستغلال والعنف والاتجار بالبشر.
11 مليون يورو شهرياً
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجوانب الإنسانية والاجتماعية، إذ تواجه سبتة أيضاً فاتورة مالية ضخمة مرتبطة بإيواء ورعاية القاصرين.
وبحسب تقديرات السلطات المحلية التي أوردتها وسائل إعلام إسبانية، فإن سيناريو وجود نحو 4 آلاف قاصر قد يرفع كلفة التكفل بهم إلى حوالي 11 مليون يورو شهرياً، تشمل الإيواء والرعاية الاجتماعية، إضافة إلى كلفة استئجار وتجهيز وتهيئة مرافق جديدة لاستيعاب الأعداد المتزايدة.
وفي محاولة لمواجهة الوضع، أعلنت الحكومة الإسبانية عن تخصيص 25 مليون يورو بشكل استثنائي لدعم التكفل بالقاصرين ونقل جزء منهم إلى مناطق أخرى في إسبانيا. غير أن الكلفة الشهرية المقدرة في حال بلوغ العدد نحو 4 آلاف قاصر تعني أن هذا الغلاف المالي قد لا يغطي سوى ما يزيد قليلاً على شهرين من النفقات وفق التقديرات الحالية.
ضغط على مدريد لإعادة توزيع القاصرين
وتعمل السلطات الإسبانية على إيجاد صيغة لإعادة توزيع القاصرين الموجودين في سبتة على عدد من الأقاليم الإسبانية، في محاولة لتخفيف الضغط عن المدينة التي وجدت نفسها أمام أعداد تفوق بكثير قدرتها الاعتيادية على الاستقبال.
وكانت القدرة الاعتيادية لمنظومة حماية الطفولة في سبتة محدودة للغاية مقارنة بالأعداد الحالية، ما دفع الحكومة المحلية إلى اللجوء حتى إلى موارد مالية استثنائية لتعزيز الخدمات الاجتماعية ومواجهة حالة الطوارئ.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار تداعيات موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز، والتي أعادت إلى الواجهة ملف الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا، وأثارت في الوقت ذاته أسئلة إنسانية وقانونية حول حماية القاصرين، وتحديد المسؤوليات، ومصير الضحايا الذين لقوا حتفهم خلال محاولة العبور.
وبين قبور تحمل أرقاماً بدل الأسماء، وقاصرون ينتظرون الإيواء أو إعادة التوزيع، وفاتورة مالية تتجاوز ملايين اليوروهات شهرياً، تكشف أزمة سبتة عن تداعيات إنسانية عميقة لموجة هجرة جماعية لم تنتهِ آثارها بعد، رغم مرور أسابيع على أحداثها.

Exit mobile version