تستعد السلطات الإسبانية لنقل نحو 500 فتاة قاصراً غير مصحوبات بذويهن من مدينة سبتة إلى مراكز متخصصة للرعاية في مدن إسبانية أخرى، خلال الأسابيع المقبلة، في إطار خطة استعجالية ترمي إلى تخفيف الضغط الكبير الذي بات يثقل كاهل منظومة حماية الطفولة بالمدينة، عقب موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها المنطقة نهاية يوليوز الماضي.
وأكد كاتب الدولة الإسباني المكلف بالشباب والطفولة، روبين بيريز كوريا، أن نقل القاصرات إلى شبه الجزيرة الإيبيرية يظل عملية «قابلة للتنفيذ» خلال بضعة أسابيع، مشدداً على أن الأمر يحتاج إلى إرادة وتنسيق بين الحكومة المركزية وسلطات سبتة. وقال، في تصريحات للإذاعة الوطنية الإسبانية، إن وزارته شرعت منذ بداية الأسبوع في العمل مع السلطات المحلية والمؤسسات الاجتماعية والمنظمات المتخصصة لإعداد ترتيبات العملية.
وتأتي هذه الخطوة في ظل وضع استثنائي تعرفه منظومة استقبال القاصرين في سبتة، بعدما أعلنت السلطات الإسبانية أن الشرطة حددت هوية 2168 قاصراً منذ موجة الدخول الجماعي التي وقعت يوم 30 يوليوز. كما أفادت الحكومة المركزية بأن عدد القاصرين الذين كانوا يبيتون في مرافق المدينة بلغ نحو 1400، في حين يوجد آخرون خارج منظومة الإيواء الرسمية، بعضهم يتجنب الظهور خشية إعادته، فيما يُعتقد أن عدداً من الفتيات وصلن إلى المدينة قبل موجة العبور الأخيرة.
ويركز المخطط الجديد بصورة خاصة على الفتيات القاصرات، باعتبارهن من أكثر الفئات هشاشة في ظل الاكتظاظ ونقص الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء. وتسعى السلطات إلى توفير مرافق متخصصة وآمنة لهن في شبه الجزيرة، عبر الاستعانة بمؤسسات ومنظمات تعمل في مجال حماية الطفولة، مع إمكانية تنفيذ العملية من دون نقل الوصاية القانونية من حكومة سبتة إلى الحكومات الإقليمية التي ستستقبل القاصرات.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الخطة لا تقتصر على إعادة توزيع القاصرات بين مراكز الإيواء، بل تتضمن إعداد ملف فردي لكل واحدة منهن، بالنظر إلى اختلاف أوضاعهن وحاجاتهن الاجتماعية والنفسية والحماية المطلوبة لكل حالة. ويأتي ذلك في وقت حذرت فيه السلطات من أن استمرار الاكتظاظ قد يفاقم المخاطر التي تواجهها القاصرات داخل مرافق الاستقبال.
وفي هذا السياق، أوضح بيريز كوريا أن العملية يمكن أن تستفيد من الموارد المالية التي وضعتها الحكومة الإسبانية رهن إشارة سبتة لمواجهة تداعيات الأزمة. وكانت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة، إلما سايث، قد أكدت أن الحكومة تواكب المدينة في هذه الظروف من خلال دعم مالي قدره 25 مليون يورو، مع التشديد على ضرورة احترام «المصلحة الفضلى للقاصر».
وتواجه الخطة في المقابل تعقيدات قانونية وسياسية، إذ تتولى حكومة سبتة قانونياً مسؤولية حماية القاصرين غير المصحوبين الموجودين داخل المدينة. ولهذا، فإن نقل القاصرات يحتاج إلى اتفاقات وترتيبات بين سلطات سبتة والجهات أو المؤسسات التي ستتكلف باستقبالهن ورعايتهن في أماكن إقامتهن الجديدة.
ويبدو أن الحكومة المركزية تراهن على صيغة أكثر مرونة لتجاوز الخلافات بين السلطات المحلية والحكومات الإقليمية، إذ سبق أن أعلنت وزارة الشباب والطفولة أن الخطة يمكن أن تشمل استقبالاً تضامنياً من مختلف الأقاليم، أو الاستقبال الأسري، فضلاً عن إسناد رعاية الفئات الأكثر هشاشة إلى منظمات متخصصة في حماية الطفولة.
ولا تعد عملية إعادة توزيع القاصرين على باقي التراب الإسباني سابقة في البلاد، فقد كشفت وزارة السياسة الترابية الإسبانية، في فبراير الماضي، أن 1019 قاصراً غير مصحوبين بذويهم من سبتة وجزر الكناري ومليلية كانوا قد أعيد توزيعهم على أقاليم إسبانية أخرى. ومن بين هؤلاء، جرى نقل 320 قاصراً من أصل 448 ملفاً مستوفياً للشروط في سبتة، فيما أظهرت المعطيات تفاوتاً في نسب تنفيذ عمليات النقل بين مختلف المناطق.
كما استند المسؤول الإسباني إلى تجربة نقل قاصرين من جزر الكناري إلى شبه الجزيرة، خصوصاً بعد تدخل القضاء الإسباني في ملف القاصرين طالبي اللجوء، حيث دخلت السلطات في عمليات نقل واستقبال داخل منظومة الحماية الوطنية، بما أتاح توزيع مئات القاصرين على مراكز تديرها مؤسسات اجتماعية في مناطق مختلفة من البلاد.
وفي خضم ذلك، تصاعد الجدل السياسي حول مصير القاصرين الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية. فبينما تدافع الحكومة المركزية عن ضرورة إدماج القاصرين غير المصحوبين ضمن منظومة حماية الطفولة، تدعو أصوات من الحزب الشعبي إلى إعادتهم إلى المغرب، وهو موقف يعكس عمق الخلاف السياسي بشأن كيفية التعامل مع تدفقات الهجرة غير النظامية.
واتهم بيريز كوريا الحزب الشعبي بتقديم أكثر من 40 طعناً ضد عمليات توزيع القاصرين ونقلهم إلى أقاليم إسبانية أخرى، معتبراً أن هذا المسار القضائي والسياسي يعرقل الاستجابة السريعة لأزمة الاكتظاظ. في المقابل، تتمسك سلطات سبتة بموقفها المطالب بإيجاد حل لعودة القاصرين، مؤكدة أن عملية نقلهم إلى شبه الجزيرة لا يمكن أن تتم بمعزل عن الترتيبات القانونية والسياسية ذات الصلة.
وتأتي أزمة سبتة في أعقاب موجة دخول جماعي كبيرة نهاية يوليوز، وضعت منظومة حماية الطفولة أمام ضغط غير مسبوق، ودَفعت الحكومة الإسبانية إلى البحث عن حلول استثنائية وسريعة. ويبدو أن نقل نحو 500 قاصرة إلى مراكز متخصصة في مدن إسبانية أخرى يشكل، في المرحلة الحالية، أحد أبرز الخيارات المطروحة لتقليص الاكتظاظ وتوفير ظروف حماية أكثر ملاءمة لهذه الفئة، غير أن نجاح العملية سيظل مرتبطاً بسرعة التوافق بين مدريد وسلطات سبتة والجهات المستقبلة.
إسبانيا تستعد لنقل 500 قاصرة من سبتة إلى مدن أخرى لتخفيف ضغط أزمة الهجرة
