جهات

متابعة زين الدين بواح

في الوقت الذي تشهد فيه جهة سوس ماسة تحولات تنموية متسارعة ودينامية جديدة تُوجَّه فيها الاستثمارات نحو توسيع العرض الجامعي وتنويع بنياته الأكاديمية، يعود الملف التنموي لإقليم طاطا ليضع شعار “العدالة المجالية” وتكافؤ الفرص أمام اختبار حقيقي، وذلك على خلفية الاستثناء المتواصل للإقليم من برامج إحداث المؤسسات الجامعية والنواة الأكاديمية متعددة التخصصات. وقد حظي هذا الملف بجهد يتكامل مع التطلعات والتحركات المدنية بالمنطقة، حيث بادرت النائبة البرلمانية فضمة إزوران، باسم الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، إلى توجيه سؤال كتابي حاسم إلى السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عبر رئاسة مجلس النواب، مسلطة الضوء على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي يخلفها إبعاد هذا المجتزأ الترابي المهم عن الخارطة الجامعية الجهوية الجديدة.

ويستند هذا التحرك النيابي إلى واقع ميداني يعيشه أبناء إقليم طاطا، الذين يجدون أنفسهم أمام رحلات تنقل شاقة وممتدة نحو المراكز الجامعية بمدن الجهة، وعلى رأسها مدينة أكادير. وينتج عن هذا البعد الجغرافي استنزاف مادي كبير وتكاليف باهظة تشمل مصاريف التنقل والإقامة، مما يثقل كاهل العائلات ويجاوز الإمكانيات المحدودة للأسر ذات الدخل المحدود. وتتضاعف حدة هذه المعاناة بالنظر إلى الخصوصيات الديمغرافية والمجالية للإقليم كجزء أصيل من البيئة الواحاتية والنائية؛ إذ تتسبب هذه العوائق المركبة في رفع معدلات الهدر الجامعي، وتدفع بالعديد من الطالبات والطلبة إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة، فضلاً عن تعميق ظاهرة هجرة الكفاءات الشابة ونزوحها اضطرارياً نحو الأقطاب شهریة الكبرى.

ومن هذا المنطلق، ينبثق الترافع البرلماني ليؤكد أن المطلب الداعي إلى تمكين طاطا من مؤسسة جامعية أو نواة متعددة التخصصات لا ينبغي التعاطي معه كإنشغال محلي ضيق أو مطلب فئوي، بل باعتباره استحقاقاً تنموياً وحقوقياً ومؤسساتياً يقع في قلب التوجهات الوطنية الداعية إلى التوزيع العادل لمشاريع التنمية وتكافؤ الفرص. فإنشاء ملحقة أو مؤسسة جامعية بالمجالات الواحاتية يمثل مدخلاً استراتيجياً لربط التعليم العالي بمتطلبات التنمية الترابية المحلية، وضمان الاستقرار الاجتماعي للشباب، وتقريب المرافق العمومية الأساسية من المواطنين بدل تكريس تمركزها في المدن الكبرى على حساب الهوامش والأقاليم الحدودية.

وفي سياق مساءلتها للحكومة، حثت المبادرة البرلمانية الوزارة الوصية على توضيح خلفيات وأسباب عدم إدراج إقليم طاطا ضمن المشاريع الجامعية المبرمجة بالجهة، والمعايير المعتمدة في تحديد المجالات الترابية المحتضنة للبنيات الأكاديمية الجديدة، مع استفسار الوزير عن مدى وجود رؤية لفتح مشاورات مؤسساتية مع جامعة ابن زهر ومجلس جهة سوس ماسة والمجلس الإقليمي والجماعات الترابية لوضع خارطة طريق محددة بالآجال والالتزامات. كما شدد السؤال على ضرورة اعتماد حلول مرحلية مستعجلة، من قبيل إحداث نواة جامعية بتكوينات ملائمة لخصوصية الإقليم واقتصاده الواحاتي، لتخفيف أعباء الأسر في انتظار استكمال المقومات البنيوية للمشروع كاملة.

تتجه الأنظار اليوم نحو التفاعل الحكومي المرتقب مع هذه المساءلة البرلمانية، وسط آمال عريضة تعقدها الساكنة والفعاليات المدنية بالإقليم على أن تتوج هذه التحركات بإجراءات عملية من شأنها إعادة رسم المعالم التنموية لطاطا، وإنصاف أبنائها عبر ضمان حقهم المشروط في تعليم عالٍ قريب، منصف، ومستجيب لتطلعات المجالات النائية والواحاتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى