سياحة و سفر
خارج أسوار الفضاء الأزرق: كيف ننتقل بالوعي المحلي من الشكوى الرقمية إلى الفعل المؤسساتي؟

زين الدين بواح :
تضج منصات التواصل الاجتماعي وفضاءات النقاش الافتراضي بسيل عارم من الانتقادات والشكاوى التي تبكي أطلال التنمية وتهاجم مظاهر الاختلال، غير أن هذا الحراك الرقمي يظل عاجزاً عن تغيير موازين القوى على أرض الواقع ما لم يتحول إلى فعل ميداني منظم، فالتأطير السياسي الفعلي والمستمر للساكنة هو الترياق الوحيد الكفيل بمحاربة كل مظاهر الفساد والإفساد الانتخابي، ومادون ذلك لا يعدو أن يكون صيحات في واد وهراء لا يغير من واقع الحال شيئاً. وأمام هذا التشخيص المعقد، يبرز سؤال حارق يفرض نفسه بقوة على المشهد المحلي: أين هي تلك الهيئات والتشكيلات الحزبية التي تتغنى شعاراتها بمحاربة الفساد وخدمة الصالح العام حينما يتعلق الأمر بالواقع المعيش؟ وأين هو دورها المفترض في احتضان الطاقات الشابة، وتأطير وعيها، والترافع الحقيقي والمسؤول عن قضايا الساكنة ومصالحها الحيوية بعيداً عن حسابات الربح والخسارة الضيقة؟ إن القراءة المتأنية والموضوعية للمشهد تضعنا أمام حقيقة صادمة، مفادها أن جل الوجوه والمرشحين في هذا الإقليم العزيز لا يتعدون كونهم كائنات انتخابية بامتياز، تتحين الفرص وتترصد المواسم السياسية بحثاً عن موطئ قدم أو تموقع مريح داخل دوائر القرار الإقليمية أو الجهوية أو الوطنية، دون أن تشكل مصلحة المواطن أي ثقل في برامجهم الفعلية، وفي مقابل هذا الجفاء الأناني، تلوح في الأفق قلة قليلة تحمل هماً حقيقياً ورغبة صادقة في الإصلاح، لكنها للأسف تجد نفسها مشتتة القوى، مبعثرة الجهود داخل دهاليز العمل الجمعوي، وتناضل في جزر متفرقة لأسباب وخلافات يعلمها القاصي والداني، مما يضعف أثرها ويحجم قدرتها على التغيير. ومن هذا المنطلق، وتزامناً مع حمى التنافس التي بدأت تلوح في الأفق، لابد من توجيه التماس صادق، بل ومساءلة علنية صريحة، لكل أولئك الذين ركنوا إلى الصمت الطويل وتواروا عن الأنظار لسنوات، ثم فجأة، ومع اقتراب موعد صناديق الاقتراع، استيقظت ضمائرهم وظهر لهم أن الإقليم ينخره الفساد وأن هناك قضايا تستوجب الترافع، فجاءوا يقدمون أنفسهم في ثوب الملائكة والمنقذين القادرين على انتشال هذه الربوع من ركودها؛ إن المقاربة الأخلاقية تقتضي من هؤلاء إما الالتزام بالصمت الذي ألفوه، أو الانخراط في عمل دائم، دؤوب، ومستمر لا يرتبط بأجندة الاستحقاقات، وإلا فإن الوعي الجمعي سيصنفهم حتماً في نفس الخانة مع من يدعون السعي للإطاحة بهم. إن تزييف الوعي لم يعد بضاعة رائجة، والتغيير الحقيقي والعميق لا يمكن بحال من الأحوال أن يصنع في غضون عشرين أو أربعين يوماً من الحملة الانتخابية، ولا حتى عبر تحركات محتشمة تنطلق سنتين قبل الاستحقاق، بل إن من يملك مشروعاً مجتمعياً وإصلاحياً حقيقياً عليه أن يتواجد في الميدان بشكل دائم، مستثمراً كل القنوات والوسائل المتاحة من جمعيات مدنية، وتنظيمات نقابية، وإطارات حزبية جادة، وبخلاف هذا المسار ذو النفس الطويل، فإن كل المحاولات ستنتهي بالفشل والمصير سيكون الخيبة لا محالة، لأن أبناء هذا الإقليم الأوفياء يملكون من الفطنة والذكاء ما يكفيهم للتمييز بين الغث والسمين، ولن يكونوا لقمة سائغة أو وقوداً لدعوات تغيير طارئة وهبّات موسمية تتزامن بالتحضير والترتيب مع مواسم صيد الأصوات واستغلال الذمم، لان التغيير نضال يومي مستمر وليس بضاعة تعرض في أسواق الانتخابات العابرة.




