زين الدين بواح
يحلّ يوم الأرض العالمي في الثاني والعشرين من أبريل من كل سنة كنداء مفتوح لإعادة ترتيب علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي، وتجاوز النظرة الاختزالية للأرض باعتبارها مجرد مورد قابل للاستنزاف.
وفي السياق المغربي، تبرز الواحات باعتبارها من أعمق تجليات هذه العلاقة، حيث لا تنفصل الأرض عن الإنسان، ولا الطبيعة عن الثقافة. وتشكّل واحات إقليم طاطا نموذجًا حيًا لهذا التداخل، إذ تختزن تاريخًا طويلاً من التكيف مع القسوة المناخية، لكنها في الوقت ذاته تقف اليوم على خط تماس حاد مع تحديات بيئية متسارعة تهدد وجودها واستمراريتها.
تفيد المعطيات الرسمية أن الواحات المغربية تمتد على مساحة تقارب 64 ألف هكتار، وتضم ما يناهز 7.2 ملايين نخلة، وتشكل فضاءً معيشياً لأكثر من مليوني نسمة. هذه الأرقام لا تعكس فقط أهمية المجال الواحي من الناحية البيئية، بل تكشف أيضًا عن دوره الاجتماعي والاقتصادي، حيث تعتمد فئات واسعة من الساكنة على الفلاحة الواحية كمصدر أساسي للعيش.
وتندرج واحات طاطا ضمن هذا النسيج، بخصوصياتها المجالية التي تجعلها أكثر عرضة لتقلبات المناخ، وأكثر حاجة إلى تدخلات مستدامة تحفظ توازنها الدقيق.لقد عرف هذا التوازن خلال العقود الأخيرة اختلالًا واضحًا، نتيجة تضافر مجموعة من العوامل، في مقدمتها التغيرات المناخية التي تجلت في توالي سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما أدى إلى تراجع الموارد المائية بشكل مقلق. ويُعد الماء العنصر الحاسم في استمرار الواحات، إذ إن أي خلل في توفره ينعكس مباشرة على النخيل والزراعات التحتية.
وتبرز خطورة الوضع من خلال تراجع عدد أشجار النخيل في إقليم طاطا، حيث انخفض من حوالي 1.5 مليون نخلة خلال ستينيات القرن الماضي إلى نحو 860 ألف نخلة مع بداية العقد الثاني من الألفية، في مؤشر صريح على تدهور المنظومة البيئية الواحية.
ولا تقف التحديات عند حدود الجفاف، بل تتعداها إلى مخاطر الحرائق التي أصبحت أكثر تواترًا في السنوات الأخيرة، مخلفة خسائر جسيمة في الغطاء النباتي، خاصة النخيل الذي يحتاج إلى سنوات طويلة لاستعادته.
كما أن الاستغلال المفرط للموارد المائية الجوفية، وتراجع صيانة أنظمة الري التقليدية كالسواقي والخطارات، ساهما في تفاقم الوضع، إلى جانب التحولات الاجتماعية التي تعرفها المنطقة، وعلى رأسها الهجرة القروية، التي تؤدي إلى إفراغ الواحات من ساكنتها النشيطة، وفقدان جزء كبير من المعارف التقليدية المرتبطة بتدبيرها.
ورغم هذه الإكراهات، تظل الواحات فضاءات غنية بإمكانيات التكيف والصمود، حيث يقوم النظام الواحي على توازن بيئي دقيق يربط بين النخلة كمستوى علوي، والأشجار المثمرة، والزراعات المعاشية في الأسفل، في تناغم يضمن الاستغلال الأمثل للماء والتربة. كما توفر الواحات خدمات بيئية أساسية، من بينها الحد من التصحر، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتلطيف المناخ المحلي. لذلك، فإن فقدانها لا يعني فقط خسارة مجال فلاحي، بل انهيار منظومة بيئية وثقافية متكاملة.
إن الاحتفاء بيوم الأرض العالمي في هذا السياق لا يمكن أن يظل مجرد لحظة رمزية، بل ينبغي أن يتحول إلى فرصة للتفكير الجماعي في سبل إنقاذ الواحات، خاصة في مناطق مثل طاطا التي تواجه هشاشة مضاعفة. وهو ما يستدعي تعزيز السياسات العمومية الموجهة للمجال الواحي، عبر دعم مشاريع الاقتصاد الأخضر، وتثمين المنتوجات المحلية، وترشيد استعمال المياه، وإعادة تأهيل البنيات التقليدية، إلى جانب إشراك الساكنة المحلية في مختلف مراحل التخطيط والتنفيذ.كما أن الرهان اليوم لم يعد بيئيًا فقط، بل هو أيضًا رهان تنموي وثقافي، يقتضي إعادة الاعتبار للواحة كفضاء للحياة والإنتاج، وليس كتراث في طريقه إلى الاندثار.
فواحات طاطا، بما تحمله من رمزية وخصوصية، تختزل سؤالاً أكبر يتعلق بمستقبل العلاقة بين الإنسان والأرض في زمن التغيرات الكبرى. وبين واقع التدهور وإمكانيات الإنقاذ، يظل الأمل معقودًا على وعي جماعي قادر على تحويل هذا المجال من منطقة هشاشة إلى نموذج في الاستدامة.
وفي نهاية المطاف، يضعنا يوم الأرض أمام مسؤولية واضحة: إما أن نعيد بناء علاقتنا بالأرض على أساس التوازن والاحترام، أو نواصل مسار الاستنزاف إلى أن نفقد ما لا يمكن تعويضه.
وفي واحات طاطا، يبدو هذا الاختيار أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لأن الأرض هناك ليست مجرد جغرافيا، بل ذاكرة حياة بأكملها.
