عين تاوجطات- وسيم الزهري
بين رحاب “آيت ولال بطيط”، حيث كان للأرض كبرياء الخضرة وللسماء بهاء الصفاء، ينتصب اليوم “مطرح النفايات الكبير” لمدينة عين تاوجدات، كندبة مقيحة تفري جبين سايس السخي، ووصمة عار تنهش طهر أرض أعياها الصفح عن جفاء بنيها.
ليس هذا المطرح بالمكان القصي الذي ينفي عن عيوننا أذى المخلفات، غير أنه “مفاعل بيولوجي” موبوء يتربص بالآتي من الأيام، ويحول نعمة الغيث إلى لعنة تسري في عروق الأرض كما يسري السم في الجسد العليل.
أما والله، لعمرو الحق، إن الناظر في هذه المفارقة بين المناخ والمكب ليرى عجبًا؛ فكلما همّت السماء بغيثها لتبعث الرميم، استحالت هذه القطرات عبر ركام الأزبال إلى سائل لزج أسود ينضح بالخراب، يسميه العلماء “الليكسيفيا” (Leachate). هذه العصارة لا تقف عند حدود المطرح، بل تتغلغل في مسام التربة بفعل الجاذبية، لتصل إلى الفرشاة المائية الجوفية، حاملة معها أهوالًا من المركبات الكيميائية المميتة.
نحن نتحدث عن هجوم كاسح لمعادن ثقيلة كـ”الرصاص” (Lead) و”الزئبق” (Mercury) و”الكادميوم” (Cadmium)، فضلًا عن المركبات العضوية المعقدة كـ”الفينولات” و”الأمونيا”، بتراكيز تتجاوز حدود العقل والمنطق البيئي.
ويستوقفنا هنا رأي الأستاذة سارة بوري دكتورة في علم الأحياء والبيولوجيا بجامعة الأخوين بيفرن، إذ تقول بنبرة تملؤها المرارة: “إن ما يعتري عين تاوجدات لهو حتف جيولوجي مكشوف؛ فامتزاج هذه الذعاف بالرسيس المائي لهو استحالة جذرية في ماهية الماء الكيميائية، تصيّره نقيعًا رويد الإماتة.
وحيث إن الفلزات الرزينة لا تنفد، وإنما تتضاعف في الأمشاج الحية، فإننا نسم غد المنطقة بميسم العقام والسقم”.
وما هي إلا خطوات حتى تنتقل الكارثة من الباطن إلى الظاهر، فتصيب الموارد الفلاحية في مقتل. لقد غدت التربة التي كانت مهدًا للثمار اليانعة مجدثة لها؛ فالمحاصيل التي ترتوي بمياه لوثتها “الليكسيفيا” تحمل في جوفها بذور الهلاك.
تتأثر الإنتاجات الفلاحية كمًا وكيفًا، ويصبح الغذاء الذي نرجو منه البقاء مصدرًا للشقاء. أما الساكنة المغلوبة على أمرها، ومواشيها التي تمد أعناقها نحو الآبار، فهي الضحية الأولى نتاج إغفال مزمن.
فالشرب من هذه المياه ليس إلا جرعات من الموت الزؤام، تولد أمراض الفشل الكلوي، والتشوهات الخلقية، والأمراض الجلدية المستعصية، ليصير الإنسان في آيت ولال كائنًا منسيًا بين ركام القذارة وسموم الأعماق.
إن كان ما سلف قد هتك حجب الفاجعة، فإن وجهها الآخر أشد تنكيلًا وأعمق غورًا؛ إذ لم يعد العطب رهين الصمت مدر أو معين، لكنه غدا نصلًا ينفذ إلى صميم البناء المجتمعي فيبتر أوصاله ويقوض طمأنينة عيشه.
فالفلاح الذي كان يرقب الغيث استبشارًا، أضحى اليوم سجين ريبة لا تبرح خياله، والتاجر الذي كان يزهو بخيرات الثرى بات يقايض بضائع مشوبة بالوجل، والمستهلك الذي كان يسكن إلى قوته صار يتوجس خيفة من كل مضغة يسيغها. هكذا تتآكل المودة بين المرء ومحيطه، وتنهار الوشيجة الفطرية التي توحد الآدمي بتربته ومائه.
ولا مراء في أن استمرار هذا النزيف البيئي كفيل بنقل “عين تاوجدات” من حمى الخصوبة إلى غياهب متربة متعددة الأبعاد؛ حيث تشتبك المآزق الصحية والاقتصادية والاجتماعية في حلقة مفرغة، لا فكاك منها إلا بإرادة صلبة تقطع مع دابر التهاون، وتؤسس لعهد يكون فيه إجلال الطبيعة شرطًا لازمًا لكل نماء مأمول.
فالرهان اليوم لم يعد تدبيرًا تقنيًا، لهو استحقاق حضاري بامتياز؛ إذ لا تقاس الأمم بوفرة مواردها، غير أن حقيقتها حكمة صونها وتوريثها للأجيال القادمة.والصمت عن هذا الواقع ليس حيادًا محمودًا، إن هو إلا تواطؤ صريح مع دمار يتسلل في غسق الليل ليغتال الغد قطرة فنطفة، وحفنة فقبضة، حتى إذا استفحل الداء لم ينفع ندم ولم تغن لوعة، ليغدو التقويم آنذاك أبْهظ كلفة وأعظم مشقة.
فهل نعتبر قبل فوات الأوان ونجيب نداء الأرض، أم نلزم رقابنا قيد التسويف حتى نفيق على فيافٍ فقدت روحها ومياه نضب طهورها؟ إن في الاستباق اليوم بعثًا لزمن يليق بكرامة الإنسان، ويصون حقه في حياة رغيدة تحت سماء لا تمطر زعافًا، وأرض لا تضمر حتفًا، حسبها تعانق النماء في صفاء أبدي لا يشوبه كدر، ولا يزعزعه خوف، ولا يعتريه ريب قط؛ فيشرق فيه الرجاء، ويزدهر في رحابه القسط أبدًا.
ولكننا، وإن أسرفنا في النقد اللاذع، لا نبغي اليأس، إنما ننشد الخلاص. إن طريق النجاة يمر حتمًا عبر تبني أهداف التنمية المستدامة (SDGs) بإرادة لا تعرف اللين.
ولنبدأ بـ”الهدف السادس” (المياه النظيفة والنظافة الصحية)، حيث يجب فورًا إحاطة المكب بموانع هيدرولوجية معزولة تمنع تسرب “الليكسيفيا”، مع إقامة محطات لمعالجة هذه العصارة قبل أن تبلغ قرارًا مكينًا في الأرض.
ومن صلب هذه الحلول، نقترح ثورة في تدبير المرميات تنسجم مع “الهدف الثاني عشر” (الاستهلاك والإنتاج المسؤولان). لحق أن تدوير النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى قنوات للسقي بالتنقيط هو ضرب من الإبداع الذي يصرف الأذى ويجلب المنفعة.
وفي هذا السياق، يقول مدير شركة رائدة في معدات الري: “ألا ليس السقي بالتنقيط مجرد توفير للماء فحسب، إنه درع حصين يحمي النبات من الملوثات السطحية ويرفع كفاءة المحصول بنسبة تفوق 40%، مما يحقق الأمن الغذائي (الهدف الثاني) ويصون صحة المستهلك (الهدف الثالث)”.
ولا يقف الطموح عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل النفايات العضوية، حيث يتعين فرز بقايا الطعام وتحويلها إلى أسمدة طبيعية (Compost) تعيد للتربة المنهكة شبابها، وتقلل من انبعاثات الغازات الدفيئة المسؤولة عن التغير المناخي (الهدف الثالث عشر: العمل المناخي).
إن تحقيق هذه الغايات يستلزم شراكة متينة (الهدف السابع عشر) مع المجلس البلدي لعين تاوجدات. وقد حملنا هذه الهموم إلى السيد رئيس المجلس البلدي، الذي أجابنا بعزيمة نرجو أن تجد طريقها للتنفيذ: “نحن نؤمن أن الحل يبدأ من سلوك المواطن، لذا سنعمد إلى نشر حاويات ملونة في كل شبر من المدينة لتشجيع الفرز من المنبع.
إن مدينة بلا فرز هي مدينة بلا مستقبل، ونحن ملتزمون بتحويل عين تاوجدات إلى نموذج للمدينة الإيكولوجية التي تحترم ماءها وترابها”.يا سادة، إن المقال قد طال، ولكن ألم الأرض أطول. إننا أمام لحظة فاصلة؛ فإما أن نكون الجيل الذي صنع .
