المسألة الثقافية بالمغرب : من تقرير الخمسينية إلى رهانات اليوم

ذ. عبد الرحمان شنا فاعل مهتم بثقافة الواحات
عرفت المسألة الثقافية بالمغرب تحولات متباينة منذ صدور تقرير الخمسينية سنة 2005 الذي شكل محطة مفصلية في تقييم مسار التنمية بعد الاستقلال، حيث سلط الضوء على موقع الثقافة ضمن السياسات العمومية، كاشفا عن اختلالات عميقة ظلت تؤثر على هذا المجال الحيوي.في ذلك التقرير، تم تسجيل حضور باهت للثقافة في صلب السياسات العمومية، إذ اعتبرت قطاعا ثانويا مقارنة بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أشار إلى ضعف الاستثمار العمومي في المجال الثقافي،مقابل غياب رؤية استراتيجية واضحة لتدبير التنوع الثقافي الذي يميز المغرب، بما يشمله من مكونات أمازيغية وعربية وحسانية ولم يغفل التقرير أيضا مسألة التفاوت المجالي، حيث ظلت العديد من المناطق القروية والواحات من قبيل مناطق الجنوب الشرقي خارج الدينامية الثقافية الرسمية.ومع اعتماد دستور 2011 شهدت المسألة الثقافية منعطفا مهما ، حيث تم الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي كأحد مرتكزات الهوية الوطنية مع ترسيم اللغة الأمازيغية إلى جانب العربية.
كما تم إحداث مؤسسات تعنى بتدبير الشأن الثقافي واللغوي، في خطوة عكست إرادة سياسية لتدارك الاختلالات السابقة غير أن هذا التحول ظل نسبيا بالنظر إلى بطء تنزيل المقتضيات الدستورية واستمرار الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية.
اليوم، تتقاطع المسألة الثقافية مع رهانات جديدة، أبرزها ربط الثقافة بالتنمية المستدامة وتعزيز دورها في تحقيق العدالة المجالية. فقد برزت مبادرات جمعوية محلية تسعى إلى تثمين التراث الثقافي، خاصة في مناطق الواحات، وجعل الثقافة رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما تزايد الاهتمام بالتراث اللامادي باعتباره عنصرا أساسيا في الحفاظ على الهوية.
ورغم هذه الدينامية، لا تزال التحديات قائمة، وفي مقدمتها ضعف الميزانيات المخصصة للثقافة، واستمرار التفاوتات المجالية، إضافة إلى مخاطر تسليع الثقافة دون توفير آليات حمايتها.
كما يطرح إشكال محدودية إدماج البعد الثقافي في السياسات العمومية، خاصة في مجالات التعليم والتنمية الترابية.إن المسألة الثقافية في المغرب وبعد مرور أزيد من عقدين على تقرير الخمسينية، لا تزال في حاجة إلى إرادة سياسية أقوى لترجمتها إلى سياسات عمومية مندمجة تجعل من الثقافة رافعة أساسية للتنمية، لا مجرد عنصر رمزي في الخطاب الرسمي للدولة المغربية.



