في خضم الجدل الذي أثير مؤخرا حول ملف مصنع “سيدي تيجي”، برزت مجموعة من القراءات التي حاولت تقديم قرار عامل الإقليم على أنه يهدد الاستثمار ويقوض التوازن الاقتصادي المحلي. غير أن هذا الطرح، رغم ما يبدو عليه من حرص ظاهري على مناخ الاستثمار، يفتقر إلى أهم ركيزة في أي نقاش مسؤول: احترام مبدأ سيادة القانون.
أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن القانون بطبيعته، وُضع ليُطبق على الجميع دون تمييز، سواء تعلق الأمر بمواطن بسيط أو بمقاولة كبرى. وبالتالي، فإن أي محاولة لتصوير تطبيق القانون كعائق أمام الاستثمار، هي في حقيقته مغالطة خطيرة تفتح الباب أمام الفوضى وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.
إن القرار في جوهره، لا يمكن فصله عن سياق وطني أوسع يتجه نحو فرض احترام ضوابط التعمير والحد من كل أشكال البناء غير القانوني، مهما كان نوعه أو حجمه. فالتوسعات التي تتم خارج الإطار القانوني، حتى وإن كانت بدافع تطوير الإنتاج، تظل مخالفة تستوجب المعالجة وفق المساطر الجاري بها العمل. ولا يمكن بأي حال من الأحوال وضع “النية الاقتصادية” فوق “القاعدة القانونية”.
أما قول البعض بأن التوسعة الداخلية لا ترقى إلى مستوى المخالفة الجسيمة، فهو تبسيط مخل بطبيعة قوانين التعمير، التي لا تميز بين الداخلي والخارجي إذا تعلق الأمر بإنجاز أشغال دون ترخيص قانوني. فالقانون هنا واضح، وتطبيقه لا يحتمل التأويل حسب مصلحة هذا الطرف أو ذاك.
وفيما يتعلق بدعوات “البعض” دائما إلى “المرونة” في التعامل، فإن هذه المرونة يجب أن تبقى مؤطرة بالقانون، لا أن تتحول إلى ذريعة لتبرير التجاوزات. لأن التجارب السابقة، سواء في إقليم آسفي نفسه أو على مستوى جماعات اخرى، أظهرت أن التراخي في تطبيق القانون يؤدي إلى تراكم اختلالات يصعب معالجتها لاحقاً، ويخلق وضعيات غير متكافئة بين المستثمرين الملتزمين وغير الملتزمين.
من جهة أخرى، فإن لجوء إدارة المصنع إلى القضاء الإداري والمركز الجهوي للاستثمار هو مسار طبيعي ومكفول قانوناً، ويؤكد أن الشق المؤسساتي قائم وحاضر لدى الجميع. ليبقى القرار الإداري فاعلا وصحيحا في انتظار الفيصل وهو طبعا القضاء المتخصص بعيدا عن اللغط الفايسبوكي او ما شابهه..
هو الفيصل، وليس الضغط الإعلامي أو التأويلات غير الدقيقة.
أما الحديث عن “التدخل المركزي” لتصحيح ما يُعتبر “تصلباً إدارياً”، فيجب التعامل معه بحذر، لأن ربط تطبيق القانون بتدخلات فوقية قد يبعث برسائل سلبية حول استقلالية القرار الترابي، ويشجع على منطق الضغط بدل احترام المساطر القانونية.
إن حماية الاستثمار لا تعني التغاضي عن المخالفات، بل تعني توفير بيئة واضحة، شفافة، وعادلة، تُطبق فيها القوانين على الجميع دون استثناء. فالمستثمر الجاد لا يبحث عن امتيازات خارج القانون، بل عن وضوح واستقرار في القواعد المنظمة. وعليه، فإن ما يحدث في آسفي اليوم لا ينبغي أن يُقرأ من منطلق التصارع، بل كاختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على فرض احترام القانون امام الكل. فالاستثمار المواطن الحقيقي لا يزدهر في بيئة الاستثناء، بل في ظل قانون واضح يُطبق على الجميع.