سياسة
المجلس الإقليمي لـ”الاستقلال” بفم الحصن.. تفاصيل محطة تنظيمية يسائلها غياب “أبناء الدار’

متابعة زين الدين بواح
شهد إقليم طاطا مؤخراً حراكاً حزبياً أثار الكثير من المداد والجدل، بعد انعقاد المجلس الإقليمي لحزب الاستقلال، والذي ترأسه عضو اللجنة التنفيذية للحزب ووزير النقل واللوجيستيك، عبد الصمد قيوح، بمنزل عائلة بوزيحاي بجماعة “فم الحصن”، في لقاء حوّلته تفاصيل تنظيمه وكواليسه من محطة تنظيمية عادية إلى مادة دسمة للتساؤلات والقراءات المتقاطعة في المشهد المحلي. ويبرز في هذا السياق تساؤل جوهري يتعلق بجغرافية اللقاء ومكانه؛ فلماذا لم ينظم هذا المجلس الإقليمي في مركز إقليم طاطا لضمان حضور أوسع وتمثيلية أكثر أهمية لمختلف الفاعلين والمهتمين؟ خصوصاً وأن الأنشطة السياسية الكبرى لا تُبنى على الارتجال أو بمنطق العلاقات الشخصية والاعتبارات الذاتية الضيقة، بل تحتاج بالأساس إلى حس مسؤول، ورزانة في التدبير، وقوة في القرار الحزبي المستقل. فالإقدام على محطة بوزن “مجلس إقليمي” يفترض قراءة المشهد المحلي بعناية شديدة، ورصد مختلف التحركات والتفاعلات القائمة، مع إعداد خطة تنظيمية محكمة ترافقها خطة بديلة عند الضرورة، وكان الأجدر بالمنظمين – قبل استقبال الضيوف القادمين ببدلاتهم الرسمية وربطات أعناقهم من خارج الإقليم – إحصاء “أبناء الدار” واحداً واحداً بمختلف مواقعهم ومكانتهم، وخاصة أولئك الذين يمتلكون ثقلاً حضورياً اعتادوا أن يكونوا به في الصفوف الأمامية لحزب عريق كحزب الاستقلال.
ومن حيث الشكل والمضمون، وبدل أن يحظى النقاش السياسي وتبادل الآراء بالأولوية، بدا المشهد في “فم الحصن” عاكساً للطبيعة المفترضة للمجالس الحزبية، إذ كانت فرق “أحواش” بمختلف ألوانها هي الحاضر الأبرز في المشهد كأن “الشطيح والنشاط” هو الغاية والمبتغى، حيث علا صوت الطبل والبندير على صوت المؤتمرين، حتى خُيل لبعض المتابعين أن “أحواش” أصبح في أجندة المنظمين أهم من النقاش العمومي الجاد الذي يُفترض أن يشكل جوهر هذه المحطات السياسية. ولم يقف الحد عند اللوحة التنظيمية، بل امتد الغموض إلى المضمون السياسي للكلمات الإشرافية؛ حيث سُجل أن السيد الوزير، بحسب ما تم تداوله، نسب في معرض كلمته بعض التدخلات والمشاريع التنموية الكبرى التي يترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى جهات أخرى، في محاولة لإبراز حجم الاشتغال على إقليم طاطا، والحال أن المنتظر من مسؤول حكومي يتولى حقيبة النقل واللوجيستيك هو الحديث الصريح عن منجزات القطاع الذي يتولى مسؤوليته المباشرة، وتقديم حصيلة واضحة وملموسة للرأي العام المحلي بطاطا بعيداً عن لغة الاستهلاك أمام “الدراوش”، خاصة وأن الحزب نال في فترات استحقاقية سابقة ثقة مواطني هذا الإقليم النائي، مما يطرح سؤالاً مشروعاً حول ما قدمته هذه الحقيبة فعلياً للمنطقة.
ولعل الحدث الأبرز الذي شكل “الحدث داخل الحدث” هو لائحة الغيابات الوازنة لرموز العمل الحزبي بالإقليم، حيث سُجل غياب لافت لرموز المنطقة وشباب منطقة “إمي أوگادير”، علماً أن هذه الأخيرة معروفة تاريخياً بطاقاتها المثقفة والمتعاطفة التي انخرطت سابقاً ضمن هياكل الحزب وتزعمت حملاته الانتخابية في محطات سابقة. ومن بين الأسماء التي يظل غيابها لغزاً غير مفهوم، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الحاج الحسن بنسي ابن تمنارت، ورفيقه السيد البشير أولعاود ابن إمي أوگادير، وهما الرجلان المعروفان بتعاونهما الدائم وعطائهما الواضح مع الجهة المنظمة والمستقبلة لهذا اللقاء؛ الأمر الذي اعتبره المتتبعون “سقطة تنظيمية ثانية” للمسؤولين بالإقليم بعد غياب ذات الاسمين عن “حفل التميز” الذي نُظم سابقاً في ظروف ما زالت أسبابها غامضة إلى حدود الساعة. هذا الغياب الجماعي يفتح الباب على مصراعيه أمام تأويلات سياسية متعددة، حول ما إذا كانت هذه القامات قد اختارت المقاطعة بسبب شكوك جدية تتعلق بتموقع الحزب ومكانته الحالية داخل إقليم طاطا، أم أن الغياب هو إعلان مبطن عن اتخاذ مسافة الحياد، أم أن لهذين الرجلين وغيرهما من الفاعلين الاقتصاديين البارزين بالإقليم، كالحاج حسن برعوش، توجهات أو رغبة في تغيير الانتماء السياسي نحو وجهة أخرى ستكشف عنها الأيام القليلة المقبلة.
تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن العشوائية والارتجالية طبعت جوانب واسعة من تدبير وتنظيم هذا اللقاء الإقليمي، إلى درجة جعلت المشهد العام في تمظهراته أقرب إلى حفل زفاف أو عقيقة، طغى فيه الإطعام والنشاط الاحتفالي الفلكلوري على المضمون السياسي والمعنى الحزبي، ليكون لسان حال المنظمين “المهم أيت أوحواش فجيجن تخلصن روحن”. لكن، وبعيداً عن بهرجة الحفلات العابرة والحسابات السياسوية الضيقة، ستبقى “إمي أوگادير” دائماً قلعة صامدة للنضال، وأرضاً للثقافة، والوعي، وعزة النفس، وهي أكبر بكثير من أن تُختزل في محطة عابرة؛ ليظل السؤال مفتوحاً وموجهاً بالأساس إلى الشباب والفاعلين بالمنطقة: كيف قرأتم أنتم تفاصيل هذا المشهد؟ وما هو تقييمكم الحقيقي والمسؤول لما جرى في فم الحصن؟




