يقف إقليم طاطا عشية كل محطة انتخابية عند مفترق طرق حاسم، حيث تتجدد النقاشات الحامية وتتصاعد المطالب الداعية إلى ضرورة القطع مع الواقع التنموي القائم عبر التغيير وإعادة تشكيل المشهد السياسي المحلي. ورغم ما تحمله هذه الصيحات في ظاهرها من تعبير عن تطلعات مشروعة لساكنة تتوق إلى تحسين ظروف عيشها، إلا أن التمعن العميق في السياق الذي تتنزل فيه هذه الدعوات يثير قلقاً كبيراً ومخاوف جادة لدى القراء المتتبعين للشأن المحلي؛ مخاوف من أن يتحول هذا الحراك إلى اندفاع عاطفي موسموي يفتقر إلى البوصلة الموجهة والإرادة التغييرية الواعية القادرة على البناء والتغيير الفعلي.
تتضح أولى مكامن الخلل في هذا التوجه حين يُختزل مفهوم التغيير في مجرد الرغبة النفسية والتلقائية في “تغيير الوجوه” وإزاحة المسؤولين الحاليين، دون الاقتران برؤية واضحة تقيم مدى كفاءة البدائل المقترحة وجاهزيتها لتدبير الشأن العام. إن خوض الاستحقاقات الانتخابية بمنطق الرفض لمجرد الرفض، والاندفاع وراء أسماء جديدة فقط لأنها لم تُجرب من قبل، يمثل مجازفة غير محسوبة المخاطر. فالتغيير الحقيقي لا يتحقق باستبدال الأشخاص، بل باختبار البرامج، والتحري الدقيق في التاريخ النضالي والميداني للفاعلين الجدد، والتمحيص في مدى قدرة هؤلاء البدائل على الترافع عن القضايا المصيرية للإقليم وتملك أدوات التدبير الحديث بعيداً عن الشائعات والشعارات البراقة التي تزدهر في المواسم الانتخابية.
من جهة أخرى، يرافق هذا السلوك العاطفي ميل واضح نحو تبسيط المعضلة التنموية للإقليم، عبر اختزال أسباب الفشل في إشاعة الخطابات التي تحمل كامل المسؤولية لأطراف بعينها، أو السقوط في فخ التفسيرات الجاهزة التي تلخص تعثر التنمية في مقولة “التهميش الممنهج”. ورغم أن صعوبة الوضع الاقتصادي والاجتماعي بسباسب إقليم طاطا أمر واقع لا يمكن إنكاره بالنظر إلى الفوارق المجالية وضعف البنيات التحتية، إلا أن تحويل هذا التشخيص إلى شماعة انتخابية يُغفل الطبيعة المركبة للأزمة. إن التعاطي المسؤول مع القضايا التنموية يفرض التمييز الأكاديمي والسياسي الدقيق بين الإكراهات الهيكلية والمجالية القاسية التي يفرضها المناخ والجغرافيا وبعد الإقليم عن المحاور الاقتصادية الكبرى، وبين القصور الذاتي وضعف النجاعة لدى النخب المحلية في الابتكار والتخطيط والترافع الشرس لدى القطاعات الحكومية والمركزية.
إن حماية المستقبل التنموي لإقليم طاطا تتطلب الانتقال بالمجتمع المحلي من حالة النقد الانفعالي والمعاقبة الانتخابية الانتقامية إلى مرحلة النضج السياسي والوعي الاستراتيجي. هذا التحول يقتضي بناء تعاقد مجتمعي جديد يقوم على المحاسبة العقلانية للنخب القائمة بناءً على حصيلتها الواقعية، وفي الوقت نفسه إخضاع البدائل المطروحة لشرط الكفاءة والوضوح والمسؤولية. فالتغيير الذي لا يمتلك بوصلة الرؤية التنموية الشاملة والإرادة الحقيقية للإصلاح لن يكون سوى دورة جديدة من تجديد الخيبات واستنزاف الزمن التنموي لمنطقة هي في أمس الحاجة إلى مشروع نهضوي يستحضر تاريخها ويضمن مستقبل أبنائها.
