بين ضمانات الحياد وهندسة الكواليس.. هل تصنع صناديق الاقتراع رئيس الحكومة أم يصنعه “سيناريو لقجع”؟

مدير النشر: محمد حارص
هل حُسمت معركة رئاسة الحكومة قبل أن تبدأ؟ سؤال مشروع يتردد بصوت خافت وفي الكواليس السياسية، لكنه يطرح علامة استفهام ضخمة حول “جدوى” الانتخابات التشريعية المقبلة.
تأتي هذه التساؤلات في خضم أنباء وتقارير متطابقة تفيد بأن “الميركاتو السياسي” قد حسم وجهة فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، نحو حزب الأصالة والمعاصرة (بام)، تمهيداً لتنصيبه في برلمان الحزب وتقديمه كمرشح فوق العادة لقيادة الحكومة المقبلة. هذا السيناريو، إن صحّ، يضع المشهد السياسي أمام مفارقة حادة وتناقض صارخ مع التوجيهات الرسمية الصارمة.
مفارقة المشهد: بين التوجيهات الرسمية وهندسة الكواليس
يقف المتابع للشأن السياسي المغربي أمام صورتين متناقضتين:
الصورة الأولى (الرسمية والمؤسساتية): تتجسد في التعليمات الملكية السامية الصارمة والواضحة التي تؤكد دائماً على صيانة الخيار الديمقراطي، وتتكامل مع قرارات وتعهدات وزارة الداخلية بضمان شفافية الصناديق، وحياد السلطة الإيجابي التام، وترك الكلمة الفصل للمواطن عبر صناديق الاقتراع.
الصورة الثانية (كواليس الميركاتو): تعكس هندسة مسبقة للمشهد، حيث يتم نقْل الأسماء “التكنوقراطية” الثقيلة وتسكينها داخل أحزاب معينة بهدف وحيد هو صناعة “رئيس حكومة جاهز” قبل حتى أن يضع أول ناخب ورقته في الصندوق.
سؤال الجدوى: إذا كانت التحالفات الكبرى واسم رئيس الحكومة القادم يُطبخان في الغرف المغلقة بناءً على توافقات “الميركاتو”، فما الذي يتبقى من القيمة المعنوية والسياسية لأصوات المواطنين؟
لقجع في “البام”.. تغييب للبرامج السياسية
إن تحويل الأحزاب السياسية إلى مجرد “منصات عبور” أو لافتات قانونية تمنح التزكية للوجوه التكنوقراطية من أجل بلوغ منصب رئيس الحكومة، يُضعف بالدرجة الأولى الفكرة الديمقراطية. فالأصل في الانتخابات هو التنافس بين برامج سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة تتبناها الهيئات الحزبية وتُحاسب عليها، وليس مجرد استقطاب “بروفايلات تدبيرية” لإضفاء شرعية انتخابية على خيارات تم حسمها سلفاً.
الوزير فوزي لقجع، ورغم كفاءته التدبيرية المشهود لها في قطاع الميزانية والرياضة، فإن إسقاطه كخيار جاهز لرئاسة الحكومة يعيد إنتاج أزمة الثقة في العمل السياسي. إنه يرسخ الانطباع بأن صناديق الاقتراع لا تصنع التغيير، بل تضفي مساحيق الشرعية على سيناريوهات معدة سلفاً، مما يساهم بشكل مباشر في رفع معدلات العزوف الانتخابي، خاصة في صفوف الشباب.
ما الجدوى إذن؟
إن الرهان الحقيقي للمغرب في محطته التشريعية المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على تأمين “تقنيين” لإدارة الأزمات، بل في إحياء الحياة السياسية وإعطاء مضمون حقيقي للوثيقة الدستورية التي ربطت رئاسة الحكومة بالحزب المتصدر للانتخابات.
إذا كان تفعيل حياد السلطة وضمان الشفافية هما المبدأين اللذين أقرتهما أعلى سلطة في البلاد، فإن احترام ذكاء الناخب المغربي يقتضي ترك صناديق الاقتراع لتفرز الخريطة السياسية الحقيقية، بعيداً عن منطق “الميركاتو” الذي يحول الانتخابات من محطة للمساءلة الشعبية إلى مجرد إجراء شكلي مكلف ماليّاً وسياسيّاً.

Exit mobile version