جهات
نزيف التراث الصخري بطاطا.. الباحث محمد الهلالي يدق ناقوس الخطر حول العبث بآثار “جبل تاكويين”

متابعة زين الدين بواح
تكتسي الفنون الصخرية المنتشرة في ربوع الجنوب المغربي أهمية أثرية بالغة، وتعتبر بمثابة سجلات بصرية خالدة دونت عليها المجموعات البشرية الأولى تفاصيل حياتها اليومية ونشاطها الرعوي ومخيالها الرمزي قبل آلاف السنين، لتظل هذه الذاكرة الحجرية شاهدة على عبقرية الإنسان وتفاعله مع بيئته. وفي هذا السياق الجغرافي والتاريخي الغني، يبرز إقليم طاطا كواحد من أهم وأغنى المتاحف المفتوحة على الهواء الطلق في شمال إفريقيا والمنطقة المتوسطية، حيث يحتضن ترسانة أثرية استثنائية تفوق 130 موقعاً للنقوش الصخرية جرى جردها وتوثيقها رسمياً من قِبل وزارة الشباب والثقافة والتواصل والمركز الوطني للنقوش الصخرية. وتشكل هذه المواقع معاً أرشيفاً جيولوجياً وبشرياً لا يقدّر بثمن، يعود تاريخه بحسب التقديرات الأثرية وأبحاث التأريخ الإشعاعي بالكربون-14 للمواقع المجاورة إلى فترة الهطول المطير في إفريقيا خلال العصر الحجري الحديث (النيوليتي)، وتحديداً ما بين 5000 إلى 9000 سنة قبل الحاضر.
ومن بين هذه الحواضر الأثرية الشاهدة على فجر التاريخ الإنساني، يلوح موقع “جبل تاكويين” بمنطقة اقازنكاض كمعلمة جغرافية وتاريخية بالغة الأهمية تحظى باهتمام الأوساط الأكاديمية الوطنية والدولية. وينفرد هذا الموقع بضم باقة غنية ومتنوعة من الرسومات، والمنحوتات، والنقوش الصخرية القديمة التي نُفذت بتقنيات فنية متطورة مثل النقر الغائر والصقل المصقول المحفور على واجهات الصخور الرملية الصلبة. وتجسد هذه اللوحات أشكالاً دقيقة لحيوانات من فصيلة البقريات والثدييات الضخمة، وفي مقدمتها الجواميس البرية القديمة من صنف “بـوبـالـوس أنـتـيـكـوس” ؛ وهي كائنات يشير حضورها الفني الكثيف في هذه الرقعة الجغرافية حالياً إلى التنوع البيئي الهائل الذي طبع المنطقة خلال العصر الهولوسيني المبكر، حيث كانت طاطا واحة خصبة تضج بالحياة والمياه والمراعي الخضراء والغابات السافانا المطيرة، قبل أن تفرض التغيرات المناخية الكبرى واقعها الجاف الحالي وتتحول المنطقة تدريجياً إلى بيئة صحراوية شحيحة.
ومع ذلك، فإن هذا الإرث الإنساني العظيم الذي صمد في وجه عوادي الزمن والتقلبات المناخية لقرون طويلة، يواجه اليوم خطراً داكناً يهدد بمحو معالمه وتدمير هويته البصرية إلى الأبد، إذ يتعرض موقع “جبل تاكويين” باقازنكاض لسلسلة من الاعتداءات اليومية المتمثلة في العبث والتخريب العشوائي، والكتابات الحائطية الحديثة فوق النقوش الأثرية، فضلاً عن التشويه المتعمد واللاواعي من قِبل زوار وعابري سبيل يفتقرون للحس الأثري والوعي التاريخي، وذلك في ظل غياب تام لأي تسييج وقائي، أو لوحات إرشادية، أو حراسة فعلية تحمي هذه اللوحات الطبيعية النادرة من الزوال والسرقة والتخريب البشري الممنهج الذي يطال المواقع غير المحمية في المناطق النائية.
وفي هذا الصدد، يدق الفاعل الأكاديمي والباحث المهتم بالتراث المحلي الأستاذ محمد الهلالي ناقوس الخطر، مسجلاً موقفه ببالغ القلق والمسؤولية تجاه ما يعيشه الموقع من نزيف مستمر، حيث يؤكد الهلالي أن خسارة أي نقش صخري في جبل تاكويين هي بمثابة إحراق لصفحة فريدة ومخطوط أصيل من كتاب التاريخ البشري المشترك الذي لا يمكن تعويضه بأي شكل من الأشكال. ويشدد الأستاذ الهلالي في قراءته المهنية للوضعية على أن المقاربة الأمنية والوقائية العاجلة باتت فرض عين، معتبراً أن غياب الحماية الميدانية يفتح الباب على مصراعيه لشبكات تهريب الآثار والعبث العشوائي الذي يطمس المعالم العلمية للنقوش ويفقدها قيمتها في دراسة “السياق الطباقي” الذي يستعين به العلماء لتحديد الحقب الزمنية للثقافات البشرية القديمة. ويضيف الهلالي أن الحفاظ على هذا الموروث يتطلب إشراكاً حقيقياً للساكنة المحلية عبر تطبيق مقاربة “التدبير التشاركي للتراث”، وذلك من خلال خلق فرص شغل مرتبطة بالحراسة والإرشاد السياحي المرخص، مما يحول هؤلاء المواطنين إلى حماة طبيعيين لتراثهم وجزء من معادلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة بالمنطقة.
إن هذا التدهور المقلق والمتسارع يدعم بقوة صرخة الأستاذ محمد الهلالي ويفرض على الجهات الوصية على قطاع التراث الثقافي ببلادنا، وعلى رأسها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بمعية المركز الوطني للنقوش الصخرية، الخروج العاجل من دائرة المقاربات النظرية والتحرك الميداني الفوري لإيقاف هذا النزيف من خلال تفعيل المقتضيات القانونية لحماية الآثار (خاصة القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات). ويقترن هذا التحرك بضرورة تعيين حراس محليين دائمين للموقع لضمان المراقبة الميدانية المستمرة، وتسييج المنطقة الأثرية بالكامل كخطوة استباقية لمنع التسلل والعبث بصخورها، مع الإسراع في تقييد موقع “جبل تاكويين” بشكل رسمي ضمن لائحة الآثار الوطنية المصنفة، وصيانة نقوشه وترميمها وفق المعايير والبروتوكولات الأثرية الدقيقة المعمول بها دولياً. إن مثل هذه الخطوات لن تضمن فقط صون الذاكرة الوطنية المشتركة، بل ستسهم بفعالية في تأهيل الموقع ليكون وجهة علمية مجهزة وآمنة لاستقطاب الباحثين الأكاديميين وعلماء الآثار المهتمين بدراسة فجر التاريخ الإنساني، فضلاً عن تحويل هذا الرأسمال الثقافي اللامادي إلى رافعة حقيقية للسياحة الإيكولوجية والتنمية المستدامة التي تعود بالنفع المباشر على الساكنة المحلية بإقليم طاطا ككل.




