مسؤولية تضامنية وطنية.. جمال بسحور يضع وزراء الحكومة أمام “الواقع العنيد” لواحات إقليم طاطا
إدارة الخبرية
متابعة زين الدين بواح
في خضم التحديات المناخية المتسارعة التي باتت تلقي بظلالها على النظم البيئية الحساسة بالمملكة، وتفاعلاً مع الأزمة المستجدة التي يعيشها إقليم طاطا جراء التوالي المقلق لحرائق الواحات، تتبلور اليوم رؤية تنموية متكاملة تترجمها وثيقة استراتيجية طموحة صاغها الفاعل التنموي والإطار جمال بسحور، والتي يضعها كأرضية للنقاش وخارطة طريق عاجلة ومستدامة بين يدي رئيس الحكومة المغربية، ووزراء الداخلية، والفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، والانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، والسياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. كما يوجه الكاتب رسالته هذه إلى مسؤولي المؤسسات الاستثمارية والتنموية بالجهة، وفي مقدمتهم مدير المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لسوس ماسة، ومدير وكالة تنمية الواحات وشجر الأركان، ومديرة مكتب تنمية التعاون، بالإضافة إلى عامل إقليم طاطا واللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ورئيس مجلس جهة سوس ماسة، ورئيس غرفتها الفلاحية، وصولاً إلى رؤساء المجالس الجماعية والترابية بالإقليم، وممثلي النسيج المدني والحقوقي، والنقابات المهنية، والشغيلة الفلاحية، والأساتذة والطلبة الباحثين، وكفاءات ومغاربة العالم المنحدرين من هذا الإقليم الأبيّ.
وتنطلق هذه المقاربة الشمولية التي يطرحها جمال بسحور من إيمان عميق بأن الأزمات البيئية الكبرى والمشاهد المؤلمة للنيران وهي تلتهم واحات طاطا ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي ناقوس خطر يستوجب تحويل التحدي إلى فرصة حقيقية لبناء قطب اقتصادي وبيئي وعلمي رائد يحمي السلم الاجتماعي ويصون كرامة الساكنة. وتبدأ أولى خطوات هذا التغيير البنيوي من معالجة المعضلات العقارية والإنتاجية، حيث يقترح الكاتب آلية مرنة لتعبئة أراضي الجموع والأراضي السلالية بالإقليم وتسهيل مساطر الاستفادة منها، مما يتيح فتح آفاق واعدة أمام الشباب وأبناء المنطقة المنتظمين في إطار تعاونيات فلاحية لإنشاء ضيعات نموذجية متكاملة تحترم الخصوصيات الإيكولوجية المحلية، ويتكامل هذا التوجه مع ضرورة تجاوز معضلة تفتيت الملكيات الفلاحية عبر تفعيل برامج التجميع الفلاحي كدعامة أساسية لاستراتيجية “الجيل الأخضر”، مما يسمح بتوجيه الدعم العمومي بشكل جماعي وذكي لتمويل مشاريع بنيوية مشتركة تشمل حفر الآبار وتجهيزها بنظم الطاقة الشمسية النظيفة وشبكات الري الحديثة التي تقطع مع استنزاف الموارد المائية.
وفي عمق هذه الاستراتيجية التنموية، يبرز التزام راسخ بإعادة الاعتبار للهندسة المائية التقليدية من خلال إطلاق برنامج تشاركي واسع لتنظيف وترميم وتأهيل نظام “الخطّارات” العريق الذي يمثل إرثاً حضارياً فريداً لتدبير الندرة المائية، حيث يضمن إحياؤه ري الواحات بطرق إيكولوجية طبيعية تحافظ على التوازن البيئي وتصون الفرشة المائية من النضوب، وهو مسار مدعوم بصياغة وتوقيع مواثيق جماعية ودية ومحلية تنظم استعمال المياه بشكل توافقي يضمن حقوق الأجيال القادمة. ويرتكز هذا المسار بالأساس على بناء جسور متينة مع الجامعة والبحث العلمي من خلال إشراك الأساتذة والطلبة الباحثين من أبناء الإقليم لتكون المعرفة العلمية الرصينة هي البوصلة الحقيقية لكل القرارات الميدانية، جنباً إلى جنب مع إدماج المعارف التقليدية لشيوخ الواحات والحرفيين المحليين والنساء في لجان التصميم والصيانة للاستفادة من خبراتهم التاريخية المتوارثة ومزاوجتها بالتكنولوجيا الحديثة.
ولأن الاستدامة البيئية لا يمكن أن تتحقق دون تمكين اقتصادي حقيقي لساكنة الواحات، فإن الرؤية التي يبسطها جمال بسحور تضع تثمين المنتج المحلي كأولوية قصوى من خلال دعم إحداث علامة تجارية إقليمية محمية لمنتجات واحات طاطا تسهم في تسويق التمور والنباتات الطبية والعطرية محلياً ودولياً بأعلى قيمة مضافة ممكنة، مع تطوير قطاع السياحة التضامنية والبيئية كرافعة موازية تديرها تعاونيات شبابية ونسائية عبر تهيئة مآوٍ إيكولوجية ومسارات سياحية تثمن التراث المعماري الواحاتي ونظام الخطّارات التاريخي لتوفير مصادر دخل بديلة ومستقرة. وبالموازاة مع هذا الإقلاع الاقتصادي، يتطلب الوضع إرساء بنية تحتية وقائية متطورة تعتمد على حلول تكنولوجية ذكية، تبدأ من تهيئة ممرات لآليات الإطفاء داخل الواحات الكثيفة وتوفير نقط مياه استراتيجية مجهزة، وصولاً إلى إدماج تقنيات الرصد الحديثة مثل طائرات الدرون لمراقبة بؤر الحرارة المرتفعة بتنسيق مع الجهات المختصة، وكذا الاستثمار في منظومة رقمية متكاملة للرصد الاستباقي والإنذار المبكر ترتبط بمديرية الأرصاد الجوية لإرسال تنبيهات نصية فورية إلى هواتف الفلاحين والساكنة لحثهم على اتخاذ التدابير الوقائية قبل اندلاع الحرائق، خاصة في الفترات التي تشهد هبوب الرياح الجافة والحارة المعروفة محلياً بـ “الشركي”.
إن هذا الحجم من الطموح التنموي يستلزم بالضرورة تبني صيغ مبتكرة للشراكة التنموية الثلاثية التي تجمع بين القطاع العام والقطاع الخاص والاقتصاد الاجتماعي والتضامني لتسريع وتيرة الإنجاز وضمان مرونة الأداء والحكامة الميدانية، وهو ما يتجسد في مقترح ابتكار صندوق إقليمي تشاركي لتمويل الواحات يدمج بين المساهمات الميزانياتية الرسمية للجماعات الترابية وعمالة طاطا ومجلس جهة سوس ماسة، والمساهمات الميدانية للجمعيات، مع الانفتاح على آليات التمويل الجماعي الرقمي الموجه لمغاربة العالم والمانحين الدوليين، مدعوماً بمنصة رقمية مفتوحة تكرس الشفافية الكاملة وتتيح تتبع أثر المشاريع ميدانياً. ولكي تكتمل معالم هذه النهضة الواحاتية، يختتم الفاعل التنموي نداءه بدعوة كافة الشركاء الموجهة إليهم هذه المراسلة للعمل على إعلان إقليم طاطا “مختبراً وطنياً للابتكار المناخي والواحاتي” ليكون هذا النموذج التشاركي ريادياً يترجم التزامات المغرب الدولية في مكافحة التغيرات المناخية، تحت إشراف منظومة حكامة لامركزية قائمة على القرب تضمن التنسيق الدائم بين لجنة يقظة إقليمية ولجان محلية فرعية على مستوى القيادات تجتمع دورياً لرصد المخاطر وتنزيل خطط العمل بسرعة وفعالية، تأكيداً على أن حماية واحات طاطا هي مسؤولية تضامنية وطنية تستوجب الانتقال فوراً بروح إيجابية من الأفكار إلى الأفعال المستدامة.