خارطة معاهد التمريض الجديدة بالجهات الجنوبية تعمق شعور “الحيف المجالي” بطاطا
إدارة الخبرية
متابعة زين الدين بواح
أثار القرار الأخير لمجلس تنسيق التعليم العالي القاضي بالمصادقة الرسمية على إحداث ملحقات جديدة للمعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة في كل من سيدي إفني وطانطان، في انتظار إرساء معهد متكامل لتكوين الأطر في الميدان الصحي بمدينة آسا، موجة عارمة من التساؤلات الحارقة واستياءً بالغاً لدى متتبعي الشأن العام والفعاليات المدنية والحقوقية بإقليم طاطا، وفي غمرة هذه الدينامية المجالية والمشاريع التنموية المستجدة التي تهدف استراتيجياً إلى تعزيز العرض التكويني الصحي بالجنوب المغربي وتوطين كفاءاته، يجد إقليم طاطا نفسه، مرة أخرى، منسياً خارج المفكرة الرسمية وخارج حسابات القطاعات الوصية، اذ جاء مثل هذا القرار بعد ايام قليله من قرار الممثل اتخذته جامعه ابن زهر يقضي باحداث مؤسسات جامعيه جديده في مدن جنوبيه كتارودانت وتيزنيت وورزازات مع تسجيل اقصاء اخر لطاطا، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات الحقيقية والمعايير المعتمدة في توزيع هذه المؤسسات المهيكلة، ويعيد بقوة إلى الواجهة نقاشاً سوسيومجالياً قديماً متجدداً حول مظاهر الإقصاء المستمر وغياب العدالة الترابية وتكافؤ الفرص بين الأقاليم، خاصة وأن هذا التهميش يأتي في سياق وطني يتسم بتبني الدولة لخيارات كبرى ورؤى ملكية سديدة تروم بالأساس تقليص الفوارق المجالية وتوطين الخدمات الأساسية في المناطق النائية والحدودية.
وما يعمق شعور الحيف والغبش لدى الساكنة والمهتمين بالشأن المحلي هو أن كل المؤشرات الواقعية والمعطيات الإحصائية الموضوعية تضع إقليم طاطا في صدارة المناطق التي تستحق، بالأولوية والأسبقية، احتضان ملحقة للتكوين الصحي؛ فبالنظر أولاً إلى المعيار الديموغرافي والترابي، تكشف القراءة المتقاطعة للأرقام أن الإقليم، الذي يقترب تعداد سكانه من عتبة 120 ألف نسمة، لا يقل كثافة سوسيو-ديموغرافية عن بعض الأقاليم المجاورة التي حظيت بهذه المشاريع التنموية الجديدة، بل إن الامتداد الجغرافي الشاسع لتجمعاته السكنية الموزعة على مساحات شاسعة تتجاوز 26 ألف كيلومتر مربع، يفرض حتماً تقريب هذه الخدمات التكوينية والتعليمية من أبنائه لضمان إدماجهم السوسيواقتصادي ومحاربة مظاهر التهميش والاقصاء. وإذا كان البُعد الجغرافي الشاسع وحجم العزلة القاتلة عن المراكز الجامعية الكبرى، وفي مقدمتها القطب الجامعي لأكادير، هما الأساس العلمي في تقييم الحاجة ومحاربة الهدر المدرسي والجامعي، فإن إقليم طاطا يتربع على رأس قائمة المناطق الأكثر تضرراً وعزلة وتهميشاً بسبب طبيعته التضاريسية المعقدة ومناخه القاسي؛ إذ يفصل حواضر الإقليم عن مقر المعهد الرئيسي بأكادير مسافة تتجاوز 300 كيلومتر عبر منعرجات طرقية وعرة تشكل خطراً مستمراً على المسافرين، وهو ما يثقل كاهل الأسر الطاطاوية بمصاريف تنقل باهظة وتكاليف سكن وإيواء مريرة في الحواضر الكبرى لا تقوى عليها فئات عريضة من ساكنة الواحات ذات الدخل المحدود، الأمر الذي ينعكس سلباً وبشكل مباشر على المسارات الدراسية للمئات من الكفاءات الشابة، ولا سيما الإناث اللواتي يُحرمن من تتبع دراستهن في هذه التخصصات الواعدة بسبب العجز المالي لأسرهم. وينضاف إلى هذه التحديات الجغرافية والاجتماعية خصاص صحي بنيوي صارخ ومتوارث يشهده الإقليم في قطاع الصحة ككل، حيث تصنف المنطقة ضمن أكثر النقط الترابية حاجة وافتقاراً للاستثمار في التكوين الشبه طبي لسد العجز الحاد والمستمر في الأطر التمريضية وتقنيي الصحة الذين يغادرون الإقليم باستمرار عبر آلية الحركة الانتقالية أو يرفضون التعيين فيه من الأصل بسبب غياب شروط الاستقرار، وهو واقع ميداني مرير كان يستوجب استراتيجياً توطين معهد أو ملحقة محلية تساهم في خلق استقرار مهني واجتماعي مستدام للموارد البشرية عبر فلسفة “توطين التكوين لضمان استقرار التشغيل” والاعتماد على أبناء المنطقة المؤهلين علمياً لارتباطهم الوجداني والاجتماعي بأرضهم.
وعند تشريح وتفكيك الخلفيات التقنية والمسطرية الصارمة التي تحكم صناعة هذه القرارات الإدارية، نجد أنه عند دراسة إحداث مؤسسات أو ملحقات تكوينية جديدة، يستند مجلس تنسيق التعليم العالي، بالتعاون العضوي والوثيق مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى منظومة معايير مرجعية دقيقة تجمع بين الجوانب المجالية، التقنية، والبيداغوجية الصارمة، وهي محددات وضوابط أساسية تستمد روحها القانونية والتنظيمية من مقتضيات المادة 8 من قانون التعليم العالي 01.00، حيث يربط المجلس موافقته الإلزامية بضرورة توفر دراسات الجدوى المعمقة والتقييم القبلي الشامل، مما يستدعي من القطاعات المعنية تقديم ملفات تقنية متكاملة تثبت بدقة الكلفة المادية الإجمالية للمشروع، وأثره التنموي والاجتماعي المتوقع على المديين القريب والبعيد، ومدى قابلية تنفيذه وإنجازه على أرض الواقع ميدانياً، مع ضمان الانسجام والملاءمة التامة مع التوجهات الاستراتيجية الوطنية للمخطط المديري لتوزيع مؤسسات التعليم العالي وتطوير البحث العلمي والتكوين على الصعيد الوطني بهدف قطع الطريق أمام العشوائية أو الحسابات الضيقة في إحداث النوى الجامعية والمعاهد المهنية. وفي ذات السياق المسطري والتدبيري، تشمل هذه المنظومة المرجعية معايير دقيقة للحاجة المجالية والعدالة الترابية المبنية أساساً على مبدأ تقريب الخدمة التكوينية من مرتفقيها لضمان إنصاف طلبة المناطق النائية والأقاليم الجنوبية وحمايتهم من التبعات النفسية والمادية للهجرة الدراسية، إلى جانب الاعتماد على رصد علمي دقيق لمؤشرات الخريطة الصحية الإقليمية لتحديد حجم الخصاص الفعلي في الأطر التمريضية والتقنية بكل إقليم مستهدف على حدة، وهي شروط تقنية تتقاطع جملة وتفصيلاً مع الواقع الميداني لطاطا وتزكيه بشكل مطلق. وعلاوة على ذلك، تحضر المعايير البيداغوجية والتدريبية كشرط علمي حاسم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئة الاستشفائية ومحيطها التطبيقي، من خلال قياس دقيق للطاقة الاستيعابية لمقرات التدريب ومدى قدرة المستشفى الإقليمي بطاطا (الذي يضم تخصصات طبية حيوية ومتنوعة) والمراكز الصحية المحلية على استيعاب الطلبة وتأطيرهم بشكل علمي سليم خلال فترات التداريب الميدانية والمستشفوية التي تشكل الجزء الأكبر والأهم من التكوين الشبه طبي، مع الحرص على توفير الشُّعب والمسالك المناسبة بناءً على نوعية الخدمات الاستشفائية والتخصصات الطبية المتاحة محلياً لضمان جودة التأطير العملي والمحاكاة السريرية. ولا تقف الشروط التقنية عند هذا الحد، بل إن الموافقة النهائية لمجلس التنسيق لا تصدر إلا بوجود التزامات تعاقدية واضحة وموثقة توفر البنية التحتية الأساسية ضمن المعايير المعمارية واللوجستيكية، والمتمثلة في تعهدات حقيقية وصريحة من الشركاء المحليين والجهويين لتوفير الوعاء العقاري الملائم والبنية المادية من بقع أرضية أو مقرات مؤقتة مجهزة بالكامل بقاعات الدروس ومختبرات المحاكاة التطبيقية الحديثة والمكاتب الإدارية (وهو الاستعداد اللوجستيكي والعقاري الذي تبديه دائماً المجالس المنتخبة والسلطات الإقليمية بطاطا في شتى المبادرات التنموية)، فضلاً عن تأمين الموارد البشرية المؤهلة من طاقم إداري وتربوي مشكل من أساتذة دائمين وأساتذة زوار ومؤطرين ميدانيين ذوي كفاءة لضمان انطلاق الدراسة في ظروف بيداغوجية سليمة ومعيارية تتماشى مع متطلبات نظام (LMD) المعمول به في هذه المعاهد الحيوية.
وأمام هذه المنظومة المفصلة والمعقدة من الشروط والضوابط التقنية، يجد المتتبع للشأن الجهوي والوطني صعوبة بالغة، بل استحالة موضوعية، في فهم واستيعاب الاستثناء المستمر لإقليم طاطا من طفرة المعاهد والملاحق الصحية، في وقت تتراكم فيه المؤشرات الميدانية والتقارير الرسمية التي تؤكد أحقيته الكاملة واستيفاءه التام، بل والزاخر، لجميع هذه المعايير الموضوعية لاحتضان مثل هذه المؤسسات المهيكلة؛ بل إن تفوق الإقليم الجلي في معيار الخصاص البنيوي الحاد والعزلة الجغرافية القاتلة كان الأجدر بأن يمنحه الأولوية المطلقة والأسبقية التنموية تفعيلاً لمبادئ الإنصاف والتمييز الإيجابي التي يُفترض قانوناً وأخلاقاً أنها تؤطر عمل مجلس التنسيق والوزارتين الوصيتين في مغرب اللامركزية والجهوية المتقدمة. إن استمرار حرمان إقليم طاطا من هذه المشاريع التعليمية والمهنية الواعدة، رغم جدارته الميدانية وحاجته الماسة وعزلته الجغرافية الصارخة، لا يضرب في العمق فقط الشعارات المرفوعة حول العدالة الترابية والإنصاف المجالي، بل يساهم بشكل مباشر وصريح في تكريس الفوارق المجالية الصارخة بين أقاليم الجهة الواحدة (جهة سوس ماسة)، ويقوض طموحات المئات من طلبة الإقليم في تحصيل علمي وعملي عادل يحميهم من غوائل التهميش والبطالة والفقر. ولأجل ذلك، وتفاعلاً مع هذه المستجدات الميدانية المقلقة، تعالت وتكاثفت أصوات الفعاليات الحقوقية، والمدنية، والهيئات السياسية والنقابية بالإقليم لمطالبة الجهات الحكومية الوصية، ومجلس جهة سوس ماسة، بضرورة التدخل الفوري والمستعجل لتدارك هذا الحيف التاريخي ومراجعة هذه الاختيارات التنموية غير المتكافئة، عبر برمجة مستعجلة لملحقة للمعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بمدينة طاطا في أقرب الآجال، لإنصاف طاقاته الشبابية الحية والتأكيد على أن تنمية المناطق الحدودية والواحاتية النائية لا يمكن أن تتحقق بالشعارات والوعود الفضفاضة، بل تبدأ أساساً وبشكل ملموس من الاستثمار الحقيقي في رأس مالها البشري وصيانة حق أبنائها المشروع في تنمية عادلة، متوازنة، منصفة وشاملة.