بين الشعارات والواقع.. حين يموت المواطن على أبواب المستشفى
إدارة الخبرية
محمد حارص
في الوقت الذي ترأس فيه رئيس الحكومة عزيز أخنوش أول اجتماع إداري للمجموعة الصحية لجهة فاس مكناس، حاملاً معه شعارات إصلاح المنظومة الصحية وتفعيل ورش الحماية الاجتماعية، كانت على بعد أقل من مائة كيلومتر فقط مأساة إنسانية تتكشف أمام أبواب المستشفى الإقليمي ابن باجة بمدينة تازة. مشهد يفرض سؤالاً مؤلماً: هل تصل الصورة الحقيقية لما يجري داخل المؤسسات الصحية إلى صناع القرار، أم أن لغة التقارير الرسمية تختلف كثيراً عن واقع المواطنين؟
حادثة وفاة مواطن خمسيني، وهو ينتظر الحصول على حقه في العلاج أمام أبواب قسم المستعجلات، أعادت إلى الواجهة نقاشاً قديماً يتجدد مع كل مأساة جديدة. فمهما كانت نتائج التحقيقات التي ستحدد المسؤوليات والملابسات الدقيقة، فإن مجرد وقوع مثل هذا المشهد يكفي لطرح تساؤلات عميقة حول فعالية المنظومة الصحية ومدى قدرتها على ضمان الحد الأدنى من الحق الدستوري في العلاج والرعاية الصحية.
الأكثر إيلاماً في هذه الصورة أن مصلحتي المستعجلات والطب النفسي، اللتين يفترض أن تكونا خط الدفاع الأول عن الفئات الأكثر هشاشة، تبدوان في كثير من الأحيان خارج دائرة الأولويات العملية، رغم كثرة الخطابات الرسمية التي تتحدث عن تعميم التغطية الصحية وتعزيز العدالة المجالية وتحسين جودة الخدمات. وبين الخطاب والواقع، يبقى المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الاختلالات البنيوية والإدارية التي تراكمت عبر سنوات.
لقد جاء مشروع إصلاح المنظومة الصحية باعتباره أحد أكبر الأوراش الاجتماعية بالمغرب، وتعلق عليه آمال كبيرة من أجل القطع مع صور الانتظار والإهمال ونقص الموارد البشرية والتجهيزات. غير أن تكرار الوقائع المأساوية في عدد من المستشفيات العمومية يجعل الكثيرين يتساءلون عما إذا كانت الإصلاحات قد وصلت فعلاً إلى أرض الواقع، أم أنها ما زالت حبيسة الاجتماعات والبلاغات والتصورات النظرية.
ويستحضر المواطن المغربي، أمام مثل هذه الحوادث، ذلك الشعار الشعبي المؤلم الذي ظل يتردد لعقود: “عندك دواوا، ما عندكش سير تموت”. ورغم ما يحمله من قسوة ومبالغة، فإنه يعكس شعوراً عاماً بالإحباط وفقدان الثقة لدى شريحة من المواطنين الذين يعتبرون أن الولوج إلى العلاج لا يزال محفوفاً بالعراقيل، خاصة بالنسبة للفئات الفقيرة والهشة.
اليوم، لم يعد المطلوب الاكتفاء بتبادل المسؤوليات أو إصدار بيانات التوضيح، بل فتح نقاش وطني صريح حول واقع المستشفيات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والاستماع إلى شهادات المواطنين والأطر الصحية على حد سواء، والعمل على معالجة الاختلالات بشكل جذري يضمن الكرامة الإنسانية قبل أي اعتبار آخر.
إن نجاح أي إصلاح صحي لا يقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم المشاريع المعلن عنها، وإنما بقدرته على حماية حياة الإنسان عندما يكون في أمسّ الحاجة إلى العلاج. فإذا كان المواطن يفقد حياته أمام أبواب المستشفى، فإن ذلك يشكل ناقوس إنذار يستوجب وقفة حقيقية ومسؤولية جماعية، حتى لا تتحول الشعارات الدستورية المتعلقة بالحق في الصحة والحماية الاجتماعية إلى مجرد عناوين جميلة لا تجد طريقها إلى واقع الناس.