تشهد عدد من المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية للمغرب، من بينها الرشيدية وألنيف بإقليم تنغير، انتشار أسراب من الجراد الصحراوي، ما أثار مخاوف لدى الساكنة والفلاحين بشأن انعكاسات هذه الظاهرة على المحاصيل الزراعية والواحات التي تشكل موردا أساسيا للعيش بهذه المناطق.
وفي هذا السياق، أوضح المصطفى العيسات، مدير مركز سنيفكو للدراسات الاستراتيجية والتنموية وخبير في البيئة والتنمية المستدامة والمناخ، أن انتشار الجراد الصحراوي في عدد من المناطق المغربية ترتبط أساسا بالتحولات المناخية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة، والتي وفرت ظروفا ملائمة لتكاثر هذه الآفة وانتشارها.
وأكد العيسات أن التقلبات المناخية الأخيرة ساهمت في توفير بيئة مناسبة لتكاثر هذه الحشرات، خاصة بعد التساقطات المطرية التي شهدتها بعض المناطق الصحراوية، مبرزا أن فترات الجفاف الطويلة التي أعقبتها أمطار مهمة وغير اعتيادية وفرت الرطوبة اللازمة لوضع البيض وتسريع دورة نمو الجراد، وهو ما ساهم في ارتفاع أعداده وانتشاره على نطاق واسع.
ولم تقتصر أسباب هذا الانتشار، بحسب المتحدث ذاته، على الظروف المناخية المحلية فقط، بل ساهمت كذلك الأمطار العاصفية والرياح غير المعتادة في نقل الأسراب لمسافات طويلة انطلاقا من مناطق التكاثر التقليدية في عمق الصحراء ودول الساحل الإفريقي، لتصل إلى عدد من المناطق المغربية بحكم الموقع الجغرافي للمملكة.
وفي معرض حديثه عن خطورة هذه الآفة، حذر العيسات من الجراد الصحراوي باعتباره من أخطر الآفات المهاجرة في العالم، موضحا أن السرب الواحد الذي يغطي مساحة كيلومتر مربع واحد يمكن أن يضم حوالي 80 مليون جرادة، وقادر على استهلاك كميات كبيرة من الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية في وقت وجيز.
وأضاف أن تداعيات انتشار الجراد لا تقتصر على المحاصيل الموسمية فحسب، بل تمتد أيضا إلى الواحات وأشجار النخيل التي تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي بهذه المناطق، فضلا عن دورها البيئي في مكافحة التصحر والحفاظ على التوازنات الإيكولوجية.
وأمام هذه التهديدات، أكد الخبير البيئي أن السلطات المغربية سارعت إلى تفعيل خطة طوارئ وطنية تعتمد على الرصد المبكر والتدخل السريع للحد من انتشار الأسراب قبل تفاقم الوضع، مبرزا أن استراتيجية المملكة ترتكز على المقاربة الوقائية باعتبارها الأكثر فعالية في مواجهة هذه الآفة.
وفي هذا الإطار، أوضح أن المركز الوطني لمكافحة الجراد، بتنسيق مع المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، عبأ فرقا ميدانية متخصصة تشتغل بشكل متواصل لرصد تحركات الجراد والتدخل في المناطق المتضررة، سواء عبر المعالجات الأرضية أو من خلال التدخلات الجوية بالمناطق التي يصعب الوصول إليها.
وأضاف أن عمليات المكافحة التي تم تنفيذها خلال الفترة الأخيرة شملت مساحات واسعة من الأراضي التي عرفت انتشار الجراد، في إطار الجهود الرامية إلى احتواء الظاهرة ومنع توسعها نحو مناطق جديدة.
ومن جهة أخرى، أبرز العيسات أن المغرب لا يقتصر في مواجهته للجراد الصحراوي على التدخل داخل حدوده فقط، بل يعتمد أيضا على التعاون الإقليمي مع الدول المعنية بمناطق تكاثر هذه الآفة، مشيرا إلى المبادرات التضامنية التي تهدف إلى مكافحة الجراد في منابعه قبل وصوله إلى الأراضي المغربية.
وشدد المتحدث على أن الجراد الصحراوي يظل من الظواهر العابرة للحدود التي تتطلب تنسيقا إقليميا ودوليا مستمرا، خاصة في ظل تزايد تأثيرات التغير المناخي وما تفرزه من ظروف بيئية مواتية لتكاثر الحشرات وانتشارها.
وختم العيسات بالتأكيد على أن استمرار اليقظة والرصد المبكر وتعزيز التعاون بين مختلف المتدخلين يظل رهانا أساسيا للحد من آثار هذه الظاهرة وحماية المحاصيل الزراعية والواحات من الأضرار التي قد تتسبب فيها أسراب الجراد الصحراوي.
