زين الدين بواح
يواجه النظام الانتخابي المغربي مع كل استحقاق سياسي نقاشاً مجتمعياً وفكرياً عميقاً يتجاوز مجرد التفاصيل التقنية وصناديق الاقتراع ليمس جوهر البنية السياسية وطبيعة النخب التي تفرزها تلك الصناديق، وفي قلب هذا السجال تبرز آلية التزكية الحزبية كأحد المحدِّدات البنيوية الأساسية التي تعيد إنتاج المشهد السياسي وتتحكم في مفاصله، حيث تحولت هذه الآلية القاضية بضرورة حصول المرشح على ضوء أخضر رسمي من القيادة المركزية للحزب لخوض الانتخابات باسمها، من مجرد إجراء تنظيمي وقانوني يهدف إلى ضبط البيت الداخلي للهيئات السياسية وحماية هويتها، إلى قيد بنيوي يسهم بشكل مباشر في تعميق أزمة ضعف المشاركة السياسية وتكريس العزوف الانتخابي، لاسيما في أوساط الشباب والكفاءات التي تجد نفسها مقصاة ومنزوية بفعل منطق الولاءات الفوقية والاعتبارات المادية الصرفة، وهو ما يفرض إخضاع هذه الآلية لنقد راديكالي ومساءلة حقيقية تفكك أبعادها التاريخية والسوسيولوجية وتكشف عن امتداداتها داخل الجسد السياسي المغربي.
ولفهم جذور هذه المعضلة وسياقها السوسيوسياسي المتجذر في المغرب، يبدو من الضروري الاستعانة بالمنظور التحليلي النفيس الذي قدمه عالم الاجتماع الأمريكي جون واتربوري في كتابه الكلاسيكي “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”، فرغم أن هذا العمل ركز بالأساس على دراسة النخب السياسية وبنية السلطة في مغرب الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، إلا أن الخلاصات النظرية والميدانية التي انتهى إليها حول النظام الفصائلي والزبونية السياسية لا تزال تملك قدرة تفسيرية هائلة لشرح هندسة التزكيات الحزبية الحالية وآليات اشتغالها، إذ يوضح واتربوري بكثير من الدقة كيف أن المشهد السياسي يقوم على شبكات معقدة من الولاءات الشخصية والمنافع المتبادلة والمصالح المادية العابرة للمبادئ بدلاً من قيامه على أيديولوجيات صلبة أو برامج مجتمعية واضحة، وفي هذا السياق السوسيولوجي الخاص، تصبح التزكية الحزبية المعاصرة بمثابة عملة مقايضة ومقايضة نفعية داخل السوق الانتخابية، تمنحها القيادات المركزية للأحزاب بناءً على منطق الأعيان والوجوه التقليدية والنافذين محلياً، أولئك الذين يملكون القدرة الفائقة على حشد الأصوات وضمان المقاعد بناءً على نفوذهم القبلي أو العائلي أو المالي، وليس بناءً على كفاءتهم الفكرية أو مسارهم النضالي ومكانتهم الميدانية وسط القواعد، وهذا الاحتكار العمودي والفوقي لعملية الاختيار يؤدي حتماً إلى تهميش المناضلين الحقيقيين وتجفيف منابع الديمقراطية الداخلية، مما يسهم في تحويل الأحزاب من مؤسسات للتنشئة والوساطة السياسية إلى مجرد دكاكين انتخابية تفتح أبوابها موسمياً لتوزيع صكوك الترشح وتجارة التزكيات، الأمر الذي يفرغ العملية الديمقراطية برمتها من محتواها الأخلاقي والفكري والسياسي.
إن هذا التكريس المستمر للبنية الزبونية والمصلحية لا تتوقف تداعياته عند حدود الصراع الداخلي للأحزاب، بل ينعكس بشكل تدميري على نسب المشاركة السياسية العامة وعلاقة المواطن بالمؤسسات المنتخبة، فالأمر يتجاوز إحباط الطاقات الشابة وقتل طموح الكفاءات داخل الهيئات السياسية ليمتد إلى عموم الكتلة الناخبة التي تصاب بمرور الوقت ببلادة سياسية ولامبالاة مزمنة، نتيجة شعورها المتزايد بأن عملية التصويت والذهاب إلى صناديق الاقتراع لن تغير من الواقع شيئاً، ما دامت القواعد الحزبية عاجزة عن فرض خياراتها، وما دامت نفس الوجوه والنخب التقليدية تعود إلى الواجهة في كل محطة بفضل تلك التزكيات المركزية التي تتجاوز البرامج والمبادئ، وبذلك يتحول الصراع التنافسي في المحطات الانتخابية من صراع صحي بين برامج تنموية وتصورات فكرية حقيقية تسعى لخدمة الصالح العام، إلى صراع تقني ومادي حول من يملك الجاهزية والقدرة على استقطاب تزكية هذا الحزب أو ذاك، وهو ما ينتج في نهاية المطاف برلماناً ومجالس ترابية تفتقر إلى النخب المؤهلة والمسلحة بالكفاءة اللازمة لصياغة وتشريع سياسات عمومية فعالة ومواكبة للتحديات، مما يفاقم من أزمة الثقة بين المواطن والدولة ويغذي العزوف الشعبي الذي بات يهدد في الصميم شرعية التمثيلية الديمقراطية والمؤسساتية برمتها.
وأمام هذا الانسداد البنيوي المستعصي، يتجدد التساؤل الفكري والسياسي في الساحة الوطنية حول أسباب غياب أو تغييب نظام الانتخابات التمهيدية كبديل ديمقراطي حديث ومجرب يعيد سلطة القرار إلى القواعد الشعبية والمواطنين والمناضلين على حد سواء، كما هو الشأن في الديمقراطيات العريقة حيث تفتح الأحزاب المجال للاختيار الحر والعلني عبر صناديق اقتراع داخلية تسبق الانتخابات العامة بمدد كافية، وتكمن الإجابة عن هذا التساؤل الجوهري في طبيعة البنية الحزبية المغربية نفسها التي ما زالت محكومة بسيكولوجية الزعامات والمركزية المفرطة وعقلية الشيخ والمريد التي حللها السوسيولوجيون المغاربة والأجانب باستفاضة، فالقيادات الحزبية تخشى بشكل جدي وملموس من أن يؤدي اعتماد الانتخابات التمهيدية إلى فقدانها السيطرة التامة والقبضة الحديدية على الخريطة السياسية الداخلية وهندسة المقاعد والولاءات، بالإضافة إلى أن تنظيم مثل هذه المحطات التمهيدية يتطلب بنية تنظيمية ومؤسساتية قوية داخل الأحزاب، ولوائح انخراط دقيقة ونزيهة ومحدثة باستمرار، وهو ما تفتقده معظم الهيئات السياسية التي تعيش جموداً تنظيمياً شبه تام طوال السنة ولا تستفيق منه إلا مع اقتراب موعد الاقتراع، فضلاً عن التخوف الموضوعي والواقعي من أن تتحول هذه التمهيديات إلى ساحة للحروب الطاحنة وتصفية الحسابات الشخصية والسياسية بين التيارات المتنافسة داخل الحزب الواحد في ظل غياب ثقافة تدبير الاختلاف، مما قد يؤدي إلى انشقاقات كبرى تضعف حظوظ الهيئة السياسية في المحطة العامة، ولذلك كله تفضل القيادات الحزبية الإبقاء على نظام التزكية الفوقية كآلية سهلة ومضمونة لضبط الولاءات وتجنب المفاجآت السياسية غير المحسوبة، حتى لو كان الثمن المؤدي هو تعميق العزوف الشعبي وإضعاف المشاركة السياسية التي تظل رهينة بحدوث إصلاح جذري وعميق للمنظومة الحزبية وآليات ديمقراطيتها الداخلية.