حوادث
فاجعة والماس.. صرخة حقوقية تسائل نجاعة السياسات العمومية في ذكرى مبادرة التنمية البشرية

متابعة زين الدين بواح
اهتز الرأي العام المحلي والوطني، على وقع فاجعة إنسانية مؤلمة شهدها “دوار تارميلات” التابع لجماعة والماس بإقليم الخميسات، إثر حادث مأساوي مروع خلف إصابات بليغة في صفوف عدد من الساكنة المحلية، من بينهم أطفال وتلاميذ أبرياء كانوا في طريق عودتهم من المدرسة إلى بيوتهم. ولم تكن هذه الحادثة الأليمة مجرد واقعة سير عابرة في جغرافية منسية، بل تحولت إلى صدمة مجتمعية وازنة أعادت إلى الواجهة المساءلة الحقوقية والسياسية حول واقع العزلة وضيق شروط السلامة في مغرب الهوامش، دافعة بالهيئات المدنية إلى دخول خط الأزمة لمؤازرة الأسر المكلومة ومطالبة الجهات الوصية بفتح تحقيق جدي وشامل يحدد المسؤوليات ويرتب الجزاءات القانونية والإدارية بشكل صارم.
وفي هذا السياق التفاعلي، سارعت الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة إلى التعبير عن حزنها البالغ وأساها العميق، معلنة من خلال مكتبها التنفيذي عن تضامنها الإنساني والحقوقي الكامل والمطلق مع الضحايا وعائلاتهم، مع متمنياتها بالشفاء العاجل لجميع المصابين. بيد أن هذا التضامن لم يقف عند حدود المؤازرة المعنوية، بل تجاوزه إلى تشريح بنيوي للواقع المعيش؛ إذ أكدت الهيئة أن هذه اللحظات العصيبة تكشف مجدداً، وبشكل لا يدع مجالاً للشك، حجم المعاناة اليومية المريرة التي تكابدها ساكنة المناطق القروية والجبلية، حيث تظل الحقوق الأساسية رهينة هشاشة صارخة في البنيات التحتية وضعف بنيوي في شروط التنقل والخدمات الأساسية.
وتكتسي هذه الفاجعة بعداً تحليلياً بالغ الأهمية عند تفكيك الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، إذ اعتبرت الحركة الحقوقية أن الحادث يعري بشكل مكشوف “فشل البرامج التنموية” على مستويات الجهات والأقاليم والجماعات الترابية. وتكمن المفارقة الصادمة هنا في كون منطقة “تارميلات” تنتمي إدارياً إلى إحدى أغنى الجماعات بالمغرب بفضل مواردها الطبيعية، في حين تفتقر دواويرها لأبسط شروط الحياة الآمنة. هذا التناقض الصارخ يتضاعف حين نستحضر أن الإقليم يقع ضمن نفوذ جهة يوصف مركزها الإداري بـ “مدينة الأنوار”، مما يجسد تجلياً واضحاً وفاضحاً لمفهوم “مغرب السرعتين”: مركز يتلألأ بالتحديث والمشاريع الكبرى، وهامش قروي يفتقد أبناؤه لتمسالك آمنة تضمن حقهم في الحياة أثناء سعيهم لتحصيل العلم.
وما يمنح هذه الواقعة عمقاً سياسياً وإدانة حقوقية أوسع، هو تزامنها السياقي مع مرور أيام قليلة على احتفال المغرب بالذكرى الحادية والعشرين لإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؛ حيث يرى فاعلون مدنيون أن استمرار تسجيل مثل هذه المؤشرات المقلقة يعكس اختلالات بنيوية عميقة تكرس الإقصاء المجالي والاجتماعي. إن هذا التهميش المستمر يضع الحق في التنقل الآمن والولوج العادل إلى التعليم في كفة، ومستقبل الفئات الهشة وفي مقدمتها الأطفال والنساء في كفة أخرى، مما يهدد حقهم الدستوري في الحياة والسلامة الجسدية، في تعارض تام مع مبادئ العدالة المجالية والكرامة الإنسانية والمساواة التي تكفلها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والدستور المغربي.
وأمام هذا الوضع المسدود، لم تعد المطالب الحقوقية تكتفي بتضميد الجراح المؤقتة، بل باتت تطالب برسم معالم حلول جذرية تبدأ بتبني مقاربات تنموية عادلة ومنصفة تستجيب فعلياً لاحتياجات المناطق المهمشة وتحترم حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي ختام قراءتها للحدث، ناشدت الشبكة كافة الهيئات الحقوقية والمدنية والديمقراطية للتعبير عن تضامنها والمساهمة في دعم الأسر المتضررة، مشددة على أن الصيانة الفعلية للكرامة الإنسانية وضمان التمدرس والتنقل الآمن هي التزامات وطنية تستوجب توفر إرادة سياسية حقيقية قادرة على صياغة سياسات عمومية تقطع نهائياً مع إرث التهميش والهشاشة في المغرب العميق.



