أبرز تقرير حديث للبنك الدولي أن المغرب نجح خلال السنوات الماضية في بناء قدرات صناعية متقدمة جعلته من بين الاقتصادات الإفريقية القليلة القادرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات الطابع الصناعي، لاسيما في قطاعات السيارات والطيران، غير أن هذا الاندماج ما يزال مرتبطاً بدرجة كبيرة بشبكات الإنتاج والأسواق الأوروبية.
وجاء ذلك ضمن تقرير البنك الدولي الجديد «Integrating Africa: From Threads to Hubs»، الذي صدر في غشت 2026، وخصص حيزاً مهماً لتحليل سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية وفرص تعزيز التكامل الاقتصادي والصناعي داخل القارة الإفريقية.
المغرب.. تجربة صناعية بارزة في القارة
يسلط التقرير الضوء على التحول الذي شهده النسيج الصناعي المغربي، والذي لم يعد يقتصر على الصناعات التقليدية، بل أصبح يشمل أنشطة ذات تعقيد متوسط ومتزايد، من بينها مكونات السيارات، والإلكترونيات، والصناعات الكيماوية، والأسلاك الكهربائية للسيارات، إضافة إلى مكونات صناعة الطيران.
وبحسب المعطيات التي أوردتها مصادر استناداً إلى التقرير، فقد حقق المغرب، خلال الفترة الممتدة بين 2015 و2019، متوسطاً سنوياً يقارب 496 مليون دولار من صادرات مرتبطة بسلاسل القيمة الإقليمية، متقدماً على تونس ومصر وأنغولا والجزائر. كما برز المغرب ضمن عدد محدود من البلدان الإفريقية التي تتجاوز فيها المشاركة الأمامية في سلاسل القيمة العالمية نسبة 10 في المائة من إجمالي الصادرات.
ويربط البنك الدولي هذا المسار بمجموعة من العوامل، في مقدمتها الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والقرب الجغرافي من أوروبا، وتطور البنيات التحتية واللوجستية، وهي عناصر ساعدت المملكة على استقطاب استثمارات صناعية دولية والارتباط بشبكات الموردين والمشترين في الأسواق العالمية.
السيارات والطيران.. قاطرة الاندماج الصناعي
ويشكل قطاع السيارات أحد أبرز الأمثلة على التحول الصناعي المغربي، بعدما أصبحت المملكة مركزاً مهماً للإنتاج والتصدير، مستفيدة من منظومة متنامية من الشركات والموردين والبنيات الصناعية.
وتشير معطيات سابقة إلى أن الطاقة الإنتاجية لمصنعي رينو وستيلانتيس في المغرب تصل مجتمعة إلى نحو 700 ألف سيارة سنوياً، فيما بلغت صادرات قطاع السيارات حوالي 14 مليار دولار سنة 2023، ما يعكس الوزن المتزايد لهذا القطاع في الاقتصاد الصناعي المغربي.
أما قطاع الطيران، فقد أصبح بدوره أحد المجالات الصناعية الواعدة، مع وجود عشرات الشركات العاملة في تصنيع مكونات الطائرات والأسلاك والقطع الدقيقة والصيانة، فضلاً عن استثمارات جديدة تعزز موقع المغرب ضمن سلاسل الإمداد العالمية للطيران. وفي هذا السياق، أعلنت مجموعة سافران عن استثمارات مهمة في المغرب تشمل مصنعاً لتجميع محركات الطائرات، في خطوة تعكس الثقة المتزايدة في القدرات الصناعية واللوجستية للمملكة.
لكن أوروبا تظل الوجهة الأساسية
ورغم هذا التقدم، يكشف التقرير عن مفارقة مهمة؛ فجزء كبير من نجاح المغرب الصناعي قائم على الاندماج مع الشبكات الأوروبية، مستفيداً من موقعه الجغرافي واتفاقياته التجارية والبنيات اللوجستية المتطورة.
وبالتالي، فإن التحدي المقبل لا يتمثل فقط في تعزيز حضور المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية، وإنما في تنويع هذه الروابط وفتح آفاق أوسع داخل الأسواق الإفريقية، بما يسمح للصناعة المغربية بالانتقال من مجرد التصدير إلى أوروبا إلى لعب دور أكثر مركزية في بناء شبكات إنتاج إقليمية إفريقية.
إفريقيا.. سوق صناعية واعدة
ويؤكد البنك الدولي أن إفريقيا تتوفر على فرصة كبيرة لبناء سلاسل قيمة إقليمية قادرة على دعم التصنيع وخلق فرص العمل وزيادة القيمة المضافة داخل القارة. فالتجارة الإفريقية البينية لا تزال محدودة، إذ تمثل نحو 15 إلى 20 في المائة من إجمالي تجارة القارة، غير أن تركيبتها تتميز بكونها أكثر تنوعاً واعتماداً على السلع المصنعة مقارنة بصادرات إفريقيا نحو بقية العالم.
ويشير التقرير إلى أن أكثر من 60 في المائة من التجارة البينية الإفريقية تتكون من سلع مصنعة، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة التي يمكن أن توفرها السوق الإفريقية لتوسيع التصنيع ورفع القيمة المضافة.
ومن هذا المنطلق، يمكن للمغرب، الذي راكم خبرة مهمة في قطاعات السيارات والطيران والصناعات الكيماوية والإلكترونيات، أن يستفيد من منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية لتطوير شبكة من الشراكات الصناعية مع بلدان القارة، وربط الإنتاج المغربي بالطلب المتنامي في الأسواق الإفريقية.
من بوابة التصدير إلى بناء أقطاب إنتاج إفريقية
ويرى البنك الدولي أن المرحلة المقبلة من الاندماج الإفريقي يجب ألا تقتصر على إزالة الرسوم الجمركية، بل ينبغي أن تنتقل إلى ربط الإنتاج عبر الحدود، وتطوير الممرات اللوجستية، وتوحيد المعايير، وتسهيل المدفوعات، وتحسين خدمات النقل والطاقة والرقمنة.
وهنا تبرز أمام المغرب فرصة استراتيجية تتمثل في تحويل خبرته الصناعية واللوجستية إلى منصة إنتاج وتوزيع تربط أوروبا بإفريقيا، مستفيداً من موانئه وشبكاته الطرقية ومناطق التسريع الصناعي وتراكم الخبرات في الصناعات التصديرية.
كما أن توسع الشركات المغربية في عدد من الأسواق الإفريقية خلال السنوات الماضية يمكن أن يشكل قاعدة لتطوير سلاسل قيمة مشتركة، بدل الاكتفاء بتصدير المنتجات النهائية، عبر توزيع مراحل الإنتاج والتجميع والخدمات بين عدد من البلدان الإفريقية.
المغرب أمام مرحلة جديدة من التحول الصناعي
وتأتي هذه الخلاصات في وقت يعزز فيه المغرب موقعه الصناعي على المستوى القاري؛ فقد احتلت المملكة، وفق مؤشر التصنيع الإفريقي الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية، المرتبة الأولى إفريقيا في نسخة 2025، متقدمة بفارق ضئيل على جنوب إفريقيا، في مؤشر يعكس التطور الصناعي وتنويع الصادرات والسياسات الصناعية والاستثمارات في البنية التحتية.
وبذلك، يبدو أن الرهان المغربي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط على الحفاظ على موقعه داخل سلاسل القيمة الأوروبية، وإنما على الانتقال إلى مستوى أكثر طموحاً: المساهمة في تشكيل سلاسل قيمة إفريقية متكاملة.
وإذا نجحت المملكة في استثمار قدراتها الصناعية الحالية، بالتوازي مع تعميق اندماجها في السوق الإفريقية، فقد تتحول من قاعدة إنتاج مرتبطة أساساً بالأسواق الأوروبية إلى قطب صناعي إفريقي قادر على الجمع بين التكنولوجيا والخبرة والأسواق والموارد البشرية واللوجستية للقارة، بما يعزز مكانتها كحلقة وصل اقتصادية وصناعية بين إفريقيا وأوروبا وبقية العالم.
البنك الدولي: المغرب يعزز موقعه في سلاسل القيمة الصناعية العالمية ويواجه تحدي توسيع حضوره داخل إفريقيا
