نساء اتحاديات ينتفضن ضد شبهة تحكم المال في منح التزكيات لانتخابات شتنبر 2026

تصاعدت حدة الخلافات داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على بعد أسابيع من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بعدما خرجت عدد من الوجوه النسائية الاتحادية للاعتراض على الطريقة التي يجري بها تدبير التزكيات، وسط اتهامات وشبهات بشأن تحول القدرة المالية إلى أحد معايير المفاضلة بين الراغبات في قيادة اللوائح الجهوية المخصصة للنساء.
وفي قلب هذا الجدل، برز موقف البرلمانية الاتحادية خدوج السلاسي، التي خرجت عن صمتها محذرة من تحويل المال إلى معيار لتزكية وكيلات اللوائح الجهوية للنساء. واعتبرت السلاسي أن اعتماد القدرة المالية للمترشحات في عملية المفاضلة، على حساب المسار النضالي والحزبي والكفاءة، يفرغ التمييز الإيجابي المخصص للنساء من الغاية التي أُحدث من أجلها.
وأكدت السلاسي، في موقف أثار اهتماماً واسعاً داخل الأوساط الاتحادية، أن الأصل في التنافس السياسي هو تكافؤ الفرص والمساواة، معتبرة أن جعل الإمكانات المالية مدخلاً للحصول على التزكية يتعارض مع المبادئ الديمقراطية التي يفترض أن تؤطر العمل الحزبي والانتخابي.
ولم يكن موقف خدوج السلاسي معزولاً، إذ تزامن مع تصعيد من جانب قيادات ونساء اتحاديات أخريات، أبرزهن رجاء البقالي الطاهري، عضو المكتب السياسي للحزب والقيادية في منظمة النساء الاتحاديات، التي أعلنت استقالتها من مختلف المسؤوليات الحزبية، احتجاجاً على ما اعتبرته طريقة غير شفافة في تدبير التزكيات، منتقدة ما وصفته بتحكم «منطق المال» في عملية اختيار المرشحين والمرشحات.
وأعادت استقالة البقالي الطاهري إلى الواجهة سؤال المعايير التي تعتمدها قيادة الحزب في اختيار مرشحيها، خصوصاً بعدما طالبت بالكشف بشكل واضح عن الأسس التي تحكم عملية الانتقاء، معتبرة أن إقصاء كفاءات ومناضلات راكمْن تجربة داخل الحزب من شأنه أن يخلق حالة من الإحباط داخل صفوف التنظيم النسائي الاتحادي.
وفي السياق ذاته، فجرت مريم جمال الإدريسي، عضوة المجلس الوطني للحزب والكتابة الوطنية لمنظمة النساء الاتحاديات، قضية أكثر مباشرة، بعدما طالبت بفتح تحقيق داخلي بشأن ما وصفته بشبهة ربط التزكية بالمساهمة المالية في الحملة الانتخابية. وتحدثت تقارير عن قيام لجنة البت في الترشيحات بسؤال بعض المرشحات عن المبلغ الذي يمكنهن المساهمة به في الحملة، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه المساهمات وما إذا كانت مجرد مساهمات انتخابية أم أنها أصبحت عنصراً في تقييم ملفات الترشيح.
وتكتسب هذه القضية حساسية خاصة لارتباطها باللوائح الجهوية المخصصة للنساء، التي يفترض أن تشكل إحدى آليات تعزيز حضور المرأة في المؤسسة التشريعية. ولذلك فإن أي حديث عن جعل القدرة المالية شرطاً أو معياراً للمفاضلة يفتح نقاشاً أوسع حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص، وحول قدرة الأحزاب على ضمان مشاركة نسائية قائمة على الكفاءة والنضال السياسي وليس على الإمكانات المادية.
وتزامن هذا الجدل أيضاً مع تطورات مرتبطة بالبرلمانية خدوج السلاسي نفسها، بعدما أفادت مصادر إعلامية بأنها قررت عدم خوض الانتخابات المقبلة بالدائرة المحلية فاس الجنوبية، في سياق اضطرابات تنظيمية وسياسية يشهدها الحزب قبيل الاستحقاق التشريعي. كما تحدثت مصادر أخرى عن سحب تزكية كانت قد منحت لها، في وقت تتضارب فيه الروايات بشأن خلفيات هذا التطور.
ويأتي ذلك في ظل حسم الأحزاب السياسية لترشيحاتها استعداداً للانتخابات التشريعية، حيث تتحول عملية منح التزكيات إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل التنظيمات السياسية، خصوصاً في ظل التنافس القوي على المقاعد البرلمانية واستقطاب أسماء جديدة قادرة على تحقيق نتائج انتخابية.
وبالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإن الجدل الحالي لا يتعلق فقط بأسماء المرشحات أو اللوائح الجهوية، وإنما يضع أمام قيادة الحزب سؤالاً تنظيمياً وسياسياً أكبر حول طبيعة المعايير المعتمدة في اختيار من سيمثل «حزب الوردة» في البرلمان المقبل.
وبينما تؤكد الأصوات المحتجة ضرورة الاحتكام إلى الشفافية والكفاءة والنضال الحزبي وتكافؤ الفرص، تظل الاتهامات المتعلقة بـ«المال مقابل التزكية» بحاجة إلى توضيح رسمي وتحقيق داخلي يحدد حقيقة ما جرى، ويفصل بين المساهمات المالية المشروعة في تمويل الحملات الانتخابية وبين أي ممارسة قد تجعل القدرة على الدفع معياراً للحصول على التزكية.
ومع اقتراب موعد اقتراع 23 شتنبر، تبدو قيادة الاتحاد الاشتراكي أمام اختبار حقيقي لاحتواء هذا الغضب الداخلي، خصوصاً بعد تزامن مواقف خدوج السلاسي ومريم جمال الإدريسي ورجاء البقالي الطاهري مع تصاعد النقاش حول شفافية التزكيات وتمثيلية النساء. وهو نقاش قد يتجاوز حدود الخلاف الداخلي ليطرح، من جديد، سؤال العلاقة بين المال والسياسة ومدى قدرة الأحزاب على حماية مبدأ تكافؤ الفرص داخل مؤسساتها قبل المطالبة به في الحياة السياسية العامة.

Exit mobile version