تحت شعار “المستشفى العمومي في قلب الدولة الاجتماعية”.. نزار بركة يطرح خارطة طريق استقلالية لإصلاح منظومة الصحة وتأسيس “سلسلة الإنقاذ الوطنية”

شكلت ندوة رابطة الأطباء الاستقلاليين، المنعقدة تحت عنوان: “المستشفى العمومي والعرض الصحي بالمغرب: طموحات ورافعات الإصلاح”، محطة سياسية وفكرية بارزة لتجديد تعاقد حزب الاستقلال مع المواطنين على أسس الوضوح والمسؤولية؛ وفي كلمة توجيهية جامعة للأمين العام للحزب، نزار بركة، بحضور وزراء وأعضاء اللجنة التنفيذية والخبراء، بسط الحزب رؤيته المبدئية التي تنطلق من الالتزامات السياسية الخمسة الكبرى المتمثلة في حماية الأسرة ومنظومة القيم، وحماية القدرة الشرائية ضد الريع والاحتكار، وإقرار مبدأ “صفر تسامح” مع الفساد وتضارب المصالح، والتشبث بالسيادة الوطنية الشاملة، فضلاً عن الالتزام الحازم بعدم التراجع عن المرفق العمومي؛ وهو الالتزام الذي وضعه بركة في قلب النموذج التنموي الجديد، معتبراً أن الصحة والتعليم ليسا نفقات إدارية، بل هما الركيزتان الأساسيتان لصون الكرامة والعدالة الاجتماعية وبناء مغرب يسير بسرعة واحدة.

وفي سياق تشخيصه لواقع الحال، أكد نزار بركة أن المملكة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، حققت إنجازاً تاريخياً غير مسبوق بتعميم الحق في التغطية الصحية الشاملة، مبرزاً أن معركة “الحق” قد رُبحت، وتدشن بلادنا اليوم معركة “الولوج الفعلي والمنصف” لعلاج جيد؛ وشدد الأمين العام على أن المستشفى العمومي يمثل “القلب السيادي” للمنظومة والضامن الفعلي للمساواة، رافضاً بوضوح النظر إليه كمجرد مقدم خدمات ينافس القطاع الخاص. وأوضح بركة أن الحزب يؤمن بالتكامل الذكي مع الاستثمار الخاص، لكنه يصر على أن المهام السيادية—من استقبال المستعجلات المعقدة، والتكفل بالأمراض النادرة، وتكوين أطر المستقبل، وضمان العدالة المجالية بالقرى والمناطق الجبلية—هي مسؤولية حصرية للمستشفى العمومي الذي لا يخضع لمنطق السوق أو الحسابات الربحية الضيقة.

ولم يخلُ خطاب الأمين العام من جرأة سياسية وتشخيص مالي وعملي دقيق، مستنداً إلى أرقام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؛ حيث كشف عن مفارقة صارخة تؤكد أن أزيد من 95% من نفقات التأمين الصحي لمنخرطي صندوق (CNSS) وأكثر من 80% لمنخرطي صندوق (CNOPS) تتجه نحو مؤسسات القطاع الخاص، برغم أن متوسط تكلفة الملف العلاجي بالخاص يعادل 5.6 مرات كلفته بالعمومي. وحذر بركة من أن هذا الاختلال يهدد الاستدامة المالية لمنظومة الحماية الاجتماعية بأكملها، مما يجعل الاستثمار في المستشفى العمومي اختياراً اقتصادياً مسؤولاً لإنقاذ الميزانية الوطنية؛ وطرح الحزب، تبعا لذلك، رزمة إصلاحات تبتدئ بتحرير المستشفى من المركزية العقيمة، ومنحه استقلالية تدبيرية حقيقية للمجموعات الصحية الترابية مقابل “عقد نجاعة الأداء” والمحاسبة على النتائج، مع إحداث “صندوق وطني للاستثمار الاستشفائي” وتخصيص ميزانيات قارة وقوية في قوانين المالية للوظائف السيادية الاجتماعية.

وفي شق الموارد البشرية والوسائل، أعلن الأخ نزار بركة أن “لا إصلاح للصحة بدون إنصاف الأطباء والممرضين”، داعياً إلى صياغة ميثاق تحفيزي جديد يضمن أجوراً جاذبة وتعويضات قوية تضمن الاحتفاظ بالكفاءات الوطنية وتحد من نزيف هجرة الأدمغة. كما فجر الحزب ثورة تكتيكية في تدبير المستعجلات، عبر الدعوة للانتقال من منطق “نقل المريض نحو العلاج” إلى “نقل العلاج نحو المريض”، من خلال إحداث “وكالة وطنية للمستعجلات الطبية” تضع بروتوكولاً موحداً للفرز الطبي المرتكز على خطورة الحالة لا على أسبقية الوصول، مع تفعيل رقم اتصال وطني موحد يشتغل بالمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي لمعرفة الأسرة الشاغرة وغرف العمليات المتوفرة في الزمن الحقيقي؛ وختم بركة كلمته بالتأكيد على أن معركة المستشفى العمومي هي معركة ثقة في الدولة، وأن حزب الاستقلال، المتمسك بأدبيات وثيقة المطالبة بالاستقلال لسنة 1944، يرى أن السيادة الوطنية تكتمل حين لا يخاف المواطن المغربي من المرض، وحين يجد وطنه حاضراً إلى جانبه بكامل كرامته أينما كان جغرافياً.

Exit mobile version