أزمة جاذبية الشغل في المغرب: هل دخلنا عصر التمرد على الوظيفة الهشة؟
إدارة الخبرية
زين الدين بواح
يشهد سوق الشغل في المغرب تحولات بنيوية عميقة تتجاوز القراءات الاقتصادية الكلاسيكية، حيث تبرز على السطح مفارقة صارخة تتمثل في شكوى المقاولات والقطاعات الإنتاجية من نقص حاد في اليد العاملة والمهارات المستعدة للاشتغال، في مقابل واقع إحصائي تسجله المندوبية السامية للتخطيط يؤكد تخطي معدل البطالة حاجز ثلاثة عشر بالمئة وطنيّاً، وقرابة خمسة وثلاثين بالمئة في صفوف الشباب بالوسط الحضري، ناهيك عن المعطى الأكثر قتامة والمتمثل في وجود أزيد من أربعة ملايين وثلاثمئة ألف شاب وشابة خارج منظومة التعليم والشغل والتدريب. هذا التناقض الجلي يفرض إعادة قراءة المشهد من زاوية مغايرة تتساءل بعمق عما إذا كنا نعيش أزمة ندرة عمالة حقيقية، أم أننا أمام تحول سوسيولوجي واقتصادي يترجم انتفاضة صامتة ورفضاً جماعياً لشروط العمل غير اللائق التي لم تعد تتلاءم مع طموحات الجيل الحالي، الذي بات يرى في الكثير من عقود وممارسات الشغل السائدة شكلاً من أشكال **العبودية الحديثة** المقنعة، وتكريساً صريحاً للهشاشة المهنية والاجتماعية تحت مسميات مرنة.
لعل فهم هذا الشرخ يستوجب أولاً الإنصات لدفوعات الاتحاد العام لمقاولات المغرب وأرباب العمل، الذين يرفضون بشدة إسقاط مصطلح العبودية على علاقات الشغل بالمملكة، ويعتبرون ذلك تبسيطاً مجحفاً يختزل المشكلة في رغبة المقاولة في الاستغلال، حيث يطرحون إكراهات بنيوية ترتبط بتنافسية الاقتصاد الوطني، وتواجد المقاولات الصغرى والمتوسطة في مواجهة مباشرة مع مستويات إنتاجية محلية تحتاج إلى تطوير لمواجهة أسواق دولية منافسة كتركيا ومصر في قطاعات كالنسيج، فضلاً عن ثقل الكلفة الضريبية واشتراكات التغطية الصحية التي ترفع الكلفة الإجمالية للأجير على خزينة المقاولة دون أن يلمس هذا الأخير أثراً مباشراً لها في راتبه الصافي، بالإضافة إلى فجوة التكوين التي تجعل مخرجات المعاهد والجامعات بعيدة عن المتطلبات التقنية المتسارعة للسوق، مما يدفع المشغلين للحديث عن أزمة مهارات وعزوف عن العمل بدل الحديث عن شروط مجحفة. غير أن وجهة النظر هذه تصطدم بتحول عميق في سيكولوجية وتمثلات الشباب المغربي المعاصر، الذي يرفض بإصرار ما يسميه **”العبودية الطوعية”** التي عاشها جيل الآباء في ترتيب أولوياتهم؛ فلم يعد الاستقرار المهني النمطي كافياً لتقديم تضحيات تمس الكرامة الشخصية والصحة النفسية، خصوصاً عندما يقترن العمل بفخ الحد الأدنى للأجور في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات (SMIG) الذي يدور في فلك ثلاثة آلاف ومئة وعشرين درهماً، وهو مبلغ تحول في الحواضر الكبرى بفعل التضخم وأزمة السكن وغلاء المعيشة إلى مجرد كلفة لتأمين البقاء وإعادة إنتاج يوم العمل، دون أي أفق لتأسيس حياة مستقرة أو بناء مستقبل شخصي.
ويتجلى هذا الشرخ بشكل أكثر فظاظة وصدمة في المجال الفلاحي، الذي يعد المشغل الأول في المغرب باحتضانه نحو ثلث اليد العاملة الوطنية؛ فرغم الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في مخططات “المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر” لتحويل القطاع إلى قاطرة تصديرية، يشتكي المستثمرون اليوم من ندرة حادة في السواعد خلال مواسم الجني والحرث. هذه الندرة تجد تفسيرها المباشر في واقع “الاستعباد الموسمي” الذي يطبع الضيعات الكبرى، حيث يكرس القانون نفسه هذا التمييز بجعل الحد الأدنى للأجر الفلاحي (SMAG) أقل بكثير من نظيره الصناعي، وهو ما يراه العامل القروي إهانة صريحة لجهده العضلي المضني، يُضاف إلى ذلك غياب التغطية الصحية (CNSS) خارج أسابيع العمل المعدودة، والاستهتار الكبير بأرواح الشغيلة عبر النقل في “شاحنات الموت” المكدسة التي تسجل فواجع طرقية دورية في مناطق كسوس ومكناس والغرب. هذا الواقع المرير دفع أبناء القرى والعمال الزراعين إلى إعلان مقاطعة غير معلنة للعمل في أرض لم تضمن لآبائهم كرامة أو تقاعداً، وتفضيل العزوف الإرادي أو النزوح للمدن، بل والتحول إلى عنصر مطلوب دولياً عبر “العقود الموسمية الدولية” كالهجرة نحو حقول “هويلفا” الإسبانية أو الحقول الفرنسية، حيث يفضل العامل المغربي جني الفواكه تحت شمس أوروبا لشهرين بجانب حماية قانونية وراتب يعادل كدح سنة كاملة في ضيعة محليّة، مما أفرغ الفلاحة الوطنية من كفاءاتها.
إن هذا العزوف الجماعي، سواء في المعامل أو الحقول، لم يعد يعني الجلوس السلبي في المقاهي، بل غدا شكلاً من أشكال المقاومة الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ دفعت الثورة الرقمية واقتصادات المنصات الشباب إلى ابتكار بدائل تضمن لهم السيادة على ذواتهم وتنقذهم من “مقصلة التبعية و العبودية المؤسساتية”، حيث بات الكثيرون يفضلون العمل الحر، أو التجارة الإلكترونية، أو الانخراط في تطبيقات التوصيل والنقل الذكي، مفضلين تحديات المداخيل غير المستقرة على الخضوع لبيئات عمل نمطية تفتقر لأبسط شروط الاحترام والتحفيز الإنساني، وتعتمد على عقود الهشاشة لإبقاء العامل تحت رحمة الطرد التعسفي في ظل نقص حاد في موارد المراقبة وجهاز تفتيش الشغل. وتتفاقم هذه الإشكالية جغرافياً لتكشف عن تقسيم مجالي صارخ، فبينما يتركز الاقتصاد الصناعي والخدماتي في محور طنجة الدار البيضاء ليتحول إلى بيئة طاردة لليد العاملة الوافدة بسبب الارتفاع الصاروخي لكلفة المعيشة، تعاني المناطق الجهوية والواحات والمناطق شبه الحضرية من نزيف حاد، حيث يهاجر شبابها هرباً من غياب الفرص المستدامة ومن عقلية ريعية تفضل تشغيل السواعد بأقل الأثمان. إن هذه الهجرة لم تعد تقتصر اليوم على استنزاف الأدمغة من أطباء ومهندسين، بل تحولت إلى هجرة مهنية مكثفة للسواعد الماهرة من طباخين، وممرضين، ولحامة، وسائقي شاحنات يغادرون بعقود قانونية نحو أوروبا وكندا والخليج، حيث يجدون تقديراً مادياً ومعنوياً ينسف منطق السخرة الذي هربوا منه محلياً مع صون كامل لحقوقهم الإنسانية.
تثبت هذه المعطيات المجتمعة، في نهاية المطاف، أن المغرب لا يعاني ندرة في ثروته البشرية وسواعده الفتية، بل يواجه أزمة حادة في جاذبية وشروط بيئة العمل وغياب “الشغل اللائق”؛ وأن علاج هذا الشرخ البنيوي يتطلب ثورة شاملة تتجاوز الحلول الترقيعية، وتبدأ بتغيير جذري في عقلية التدبير لدى المقاولة المغربية والمستثمر الفلاحي عبر قطع دابر ثقافة التملك والاستعباد المقنع، موازاة مع إلغاء الفوارق القانونية المجحفة بين الأجر الفلاحي والصناعي، وتفعيل صارم لآليات الرقابة من طرف الدولة عبر تقوية جهاز تفتيش الشغل، للانتقال بسوق العمل من فضاء لإنتاج الهشاشة وإعادة إنتاج الفقر إلى بيئة حاضنة للكرامة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة الحقيقية.