ليس من السهل على حزب سياسي أن يتخذ موقفا قد يبدو أقل جاذبية في لحظة يغلب عليها منطق الشعارات. فحين ترتفع أسعار المحروقات، يكون الرأي العام في حاجة إلى أجوبة سريعة، وتصبح المطالبة بتدخل الدولة لتخفيض الأسعار مطلبا يلقى صدى واسعا. غير أن حزب الاستقلال اختار أن يقارب هذا الملف من زاوية أخرى، أكثر هدوءا، لكنها أكثر عمقا أيضا.
فالحزب لا ينطلق من سؤال: كيف نخفض الأسعار؟ بل من سؤال آخر يعتبره أكثر أهمية: كيف نحمي المواطن دون أن نضع أعباء جديدة على الدولة وعلى الأجيال المقبلة؟
في نظر حزب الاستقلال، لا يمكن اختزال ملف المحروقات في سعر يراه المواطن عند محطة الوقود. فالسعر النهائي هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة تبدأ من الأسواق الدولية، وتمر عبر تكاليف النقل والتخزين والتوزيع، وتنتهي عند طبيعة المنافسة داخل السوق الوطنية.
ولهذا، فإن أي معالجة لا تنظر إلى هذه السلسلة بأكملها تبقى، في نظر الحزب، معالجة ناقصة.
خلال السنوات الأخيرة، تحولت أسعار المحروقات إلى عنوان دائم للنقاش العمومي. ومع كل ارتفاع جديد، تعود المطالب نفسها: إعادة الدعم، أو تسقيف الأسعار، أو تدخل الدولة بشكل مباشر.
لكن حزب الاستقلال يرى أن هذه المقترحات، رغم وجاهة دوافعها الاجتماعية، لا تطرح السؤال الأساسي: من يؤدي الكلفة؟
فإذا قررت الدولة تحديد سعر أقل من السعر الحقيقي للمحروقات، فإن الفرق لن يختفي. بل ستتحمله الميزانية العامة. أي أن الدولة ستؤديه من الموارد نفسها التي تمول بها المدارس والمستشفيات وبرامج الحماية الاجتماعية والاستثمارات العمومية.
وهنا يطرح الحزب إشكالا يعتبره جوهريا: هل من الإنصاف أن تتحمل الدولة هذا العبء كاملا، بينما لا يطرح السؤال نفسه حول الأرباح التي تحققها الشركات داخل القطاع؟
إن موقف حزب الاستقلال لا يقوم على معارضة خفض الأسعار، بل على رفض أن يصبح المال العام وسيلة لتعويض اختلالات السوق.
فالحزب يعتقد أن الدولة ليست مطالبة بأن تدعم الأرباح، وإنما بأن تضمن المنافسة والشفافية وتحمي المستهلك من أي ممارسات تخل بتوازن السوق.
ومن هنا جاء دفاعه عن فكرة تسقيف الأرباح.
إنها فكرة قد تبدو تقنية، لكنها في العمق تحمل رؤية سياسية واضحة: إذا كانت هناك أرباح مفرطة، فإن المطلوب هو ضبطها، لا تمويلها. وإذا كانت هناك اختلالات في السوق، فإن المطلوب هو إصلاحها، لا نقل كلفتها إلى المجتمع.
فحزب الاستقلال يعتبر أن الدولة الاجتماعية القوية ليست تلك التي تنفق أكثر، بل تلك التي تنفق بشكل أفضل. وهي ليست الدولة التي تتدخل لتعويض كل خلل، وإنما الدولة التي تمنع وقوع الخلل أصلا، عبر القوانين والرقابة والمنافسة العادلة.
ومن هذا المنطلق، لا يرى الحزب أي تناقض بين الدفاع عن القدرة الشرائية والدفاع عن المال العام.
فالقدرة الشرائية لا تحمى فقط عبر تخفيض الأسعار، بل أيضا عبر الحفاظ على جودة التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وخلق فرص الشغل. وكل هذه الأوراش تحتاج إلى موارد مالية ضخمة، وهو ما يجعل من حسن تدبير المال العام قضية لا تقل أهمية عن قضية الأسعار نفسها.
إن حزب الاستقلال ينطلق من فكرة مفادها أن المواطن لا يعيش بالمحروقات وحدها. فهو يحتاج إلى مدرسة جيدة لأبنائه، ومستشفى يثق في خدماته، وشغل يوفر له الكرامة، وحماية اجتماعية تضمن له الأمان في الأوقات الصعبة.
ولهذا، فإن أي سياسة عمومية ينبغي أن تبحث عن التوازن بين مختلف هذه الحاجيات، لا أن تركز على جانب واحد على حساب الجوانب الأخرى.
قد لا يكون هذا الموقف هو الأكثر شعبية، وقد يحتاج إلى كثير من التفسير، لكنه يعكس رؤية ظل حزب الاستقلال يدافع عنها منذ عقود، وهي أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق عبر القرارات الظرفية، وإنما عبر بناء اقتصاد متوازن، تتحمل فيه الدولة مسؤولياتها، وتتحمل فيه الشركات مسؤولياتها أيضا، ويحصل فيه المواطن على نصيبه العادل من ثمار التنمية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالنسبة لحزب الاستقلال بمعركة حول أسعار المحروقات فقط، بل بمعركة أوسع حول طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يريده المغرب.
نموذج لا يتحول فيه المال العام إلى أداة لتمويل الأرباح، ولا يصبح فيه المواطن مطالبا بأداء الفاتورة في كل مرة، وإنما نموذج يقوم على المسؤولية والتوازن والعدالة.
وهذا، في نظر الحزب، هو الطريق الأصعب سياسيا، لكنه أيضا الطريق الأكثر استدامة لحماية المواطن وحماية الدولة في الوقت نفسه.
